أول تمويل فيدرالي أمريكي بالصحراء المغربية… انتقال الشراكة المغربية الأمريكية من الاعتراف السياسي إلى الاستثمار الاستراتيجي
حنان الفاتحي
يشكل إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن أول تمويل فيدرالي لمشروع استثماري بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية محطة جديدة في مسار العلاقات المغربية الأمريكية، التي تشهد خلال السنوات الأخيرة تطوراً متسارعاً يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي نحو شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقاً. فقرار وكالة الولايات المتحدة للتجارة والتنمية تمويل الدراسات الأولية لمشروع إنتاج الهيدروجين والأمونيا بمدينة العيون لا يقتصر على كونه استثماراً في قطاع الطاقة النظيفة، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية تؤكد أن واشنطن تواصل ترجمة مواقفها المعلنة بشأن الصحراء المغربية إلى مبادرات عملية على أرض الواقع.
ويأتي هذا التطور في سياق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين منذ اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، وهي علاقة ظلت تتطور عبر مراحل مختلفة إلى أن بلغت اليوم مستوى التعاون في القطاعات الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية. فاختيار مدينة العيون لاحتضان أول مشروع ممول من الحكومة الفيدرالية الأمريكية في الأقاليم الجنوبية يعكس ثقة المؤسسات الأمريكية في مناخ الاستثمار الذي وفره المغرب، كما ينسجم مع الدينامية التنموية التي تعرفها المنطقة بفضل المشاريع الكبرى التي أطلقت خلال العقد الأخير في مجالات البنيات التحتية، والموانئ، والطاقات المتجددة، وربط الأقاليم الجنوبية بالأسواق الإفريقية والدولية.
ومن الناحية الجيوسياسية، يكتسب هذا الاستثمار أهمية خاصة لأنه يأتي في ظل استمرار تأكيد الإدارة الأمريكية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع الإقليمي حول الصحراء. ورغم أن المواقف السياسية للدول تختلف باختلاف الحكومات والسياقات الدولية، فإن انتقال التعاون إلى مستوى الاستثمارات العمومية والفيدرالية يمنح هذه الشراكة بعداً عملياً، إذ غالباً ما تُعد الاستثمارات طويلة الأمد مؤشراً على الثقة في الاستقرار القانوني والمؤسساتي والاقتصادي للدولة المضيفة.
اقتصادياً، ينسجم مشروع إنتاج الهيدروجين والأمونيا مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر وتقليص الانبعاثات الكربونية، حيث يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كمنصة إقليمية لإنتاج وتصدير الطاقات النظيفة، مستفيداً من مؤهلاته الطبيعية وموقعه الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا. كما أن دخول شركات أمريكية في هذا المجال قد يفتح الباب أمام استثمارات إضافية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية، وهو ما يمكن أن يسهم في خلق فرص الشغل وتعزيز نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية.
ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد الدبلوماسي، إذ إن الاستثمارات الدولية الكبرى غالباً ما ترتبط بوجود بيئة مستقرة، وإطار قانوني واضح، ورؤية تنموية طويلة المدى. وفي هذا السياق، تبدو الأقاليم الجنوبية للمملكة مرشحة لاستقطاب مزيد من المشاريع الدولية، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بالهيدروجين الأخضر وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة النظيفة، وهو قطاع يتوقع أن يشهد منافسة عالمية خلال العقود المقبلة.
في المقابل، يبقى نجاح هذه الدينامية رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين على تحويل الاتفاقيات والإعلانات إلى مشاريع منتجة ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، بما ينعكس على التنمية المحلية وخلق فرص الشغل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. فالمؤشرات الإيجابية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى استثمارات مستدامة ومشاريع قادرة على الاندماج في الاقتصاد الجهوي والوطني.
وعموماً، فإن الإعلان عن أول تمويل فيدرالي أمريكي لمشروع في الصحراء المغربية يمثل تطوراً لافتاً في مسار العلاقات بين الرباط وواشنطن، ويعكس انتقال هذه العلاقات من مرحلة تأكيد المواقف السياسية إلى توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري. كما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً لاستقطاب المشاريع الدولية المرتبطة باقتصاد المستقبل، في وقت أصبحت فيه المنافسة العالمية تقوم على الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة النظيفة بقدر ما تقوم على التوازنات الدبلوماسية التقليدية.