خطاب العرش 2026.. رؤية دولة ترسخ السيادة الاقتصادية وتؤسس لمرحلة تنموية جديدة
بوشعيب البازي
لم يكن الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد استعراض لحصيلة منجزات أو مناسبة بروتوكولية لتقييم السياسات العمومية، بل جاء باعتباره وثيقة استراتيجية تؤطر ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد أولويات الدولة المغربية في سياق دولي يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية، وعودة النزعات الحمائية، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية. وفي هذا الإطار، قدم الملك محمد السادس تصوراً متكاملاً لمغرب المستقبل، يقوم على ترسيخ الاستقرار المؤسساتي، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وربط التنمية بالابتكار والاستثمار والتصنيع.
ويبرز في الخطاب اعتماد مقاربة قائمة على استمرارية الدولة، حيث اعتبر أن المكاسب التي حققها المغرب ليست نتاج ظرفية سياسية عابرة أو ولاية حكومية محدودة، وإنما هي ثمرة تراكمات استراتيجية ممتدة عبر سنوات، قوامها وضوح الرؤية وثبات الاختيارات الكبرى. ومن خلال هذا الطرح، يؤكد الخطاب أن المشروع التنموي المغربي يتجاوز منطق التدبير اليومي للشأن العام، ليندرج ضمن تصور طويل المدى يجعل من المؤسسات ركيزة للاستقرار ومن التخطيط الاستراتيجي أساساً لتحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي.
وفي الشق الاقتصادي، حمل الخطاب رسائل قوية تعكس انتقال المغرب من اقتصاد يعتمد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد صناعي أكثر تنافسية وانخراطاً في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية. فقد أبرز الملك المكانة التي أصبحت تحتلها المملكة في صناعة السيارات والطيران، ودخولها مجالات صناعية متقدمة كتصنيع محركات وأنظمة هبوط الطائرات، إلى جانب إطلاق مشاريع كبرى في البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيات المستقبلية. كما أن بلوغ صادرات قطاعي السيارات والطيران أكثر من أربعين في المائة من إجمالي الصادرات الوطنية يؤشر إلى تحول هيكلي في الاقتصاد المغربي، ويكرس مكانة المملكة كمنصة صناعية إقليمية تستقطب الاستثمارات العالمية.
وفي سياق التحولات الدولية، أعطى الخطاب بعداً سيادياً للمسألة الاقتصادية، إذ ربط بين التنمية والأمن الوطني، وجعل من تعزيز الاكتفاء الاستراتيجي محوراً أساسياً للسياسات العمومية. فالتأكيد على تغطية الصناعات الغذائية والدوائية لما يقارب ثمانين في المائة من الحاجيات الوطنية، إلى جانب الإعلان عن بناء قاعدة صناعية في مجال الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، يعكس توجهاً نحو تقوية استقلالية القرار الوطني، وتقليص الارتهان للتقلبات الخارجية، في انسجام مع التحولات التي تعرفها الاقتصادات الكبرى بعد الأزمات الصحية والجيوسياسية الأخيرة.
ولم يغفل الخطاب البعد الاجتماعي، حيث أكد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تحقق أهدافها دون تحسين جودة الحياة وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، جدد الملك التأكيد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وتسريع برامج التنمية الترابية المندمجة، مع التشديد على ضرورة أن تشمل ثمار التنمية جميع الجهات دون استثناء. ويعكس هذا التوجه استمرار الرهان على نموذج تنموي يجعل العدالة المجالية جزءاً من معادلة الاستقرار والنمو، وليس مجرد سياسة اجتماعية ظرفية.
ومن بين الرسائل ذات الدلالة العميقة، دعوة القطاع المالي الوطني إلى الاضطلاع بدور أكبر في تمويل الاستثمار والإبداع الصناعي والمقاولات الصغيرة والمتوسطة. فبدلاً من الاكتفاء بالتمويل التقليدي، دعا الخطاب إلى تعبئة الادخار الوطني، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة، وتنشيط الأسواق المالية، بما يواكب الدينامية الاقتصادية الجديدة، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين إمكانيات أوسع للابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد قدم الخطاب صورة لمغرب واثق من موقعه الدولي، قادر على بناء شراكات متوازنة وتنويع تحالفاته وفق منطق المصالح المشتركة. فالخطاب لم يكتف بالإشارة إلى المكانة التي باتت تحتلها المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بل أبرز تحول المغرب إلى شريك موثوق، يمتلك القدرة على اقتراح مبادرات تعاون، والانخراط في شراكات استراتيجية قائمة على الندية والاحترام المتبادل، وهو ما يعكس تطور الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
سياسياً، حمل الخطاب رسالة واضحة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، مفادها أن التداول الحكومي يجب أن يكون امتداداً للمشروع الاستراتيجي للدولة، وليس قطيعة معه. فالرهان، كما جاء في الخطاب، يتمثل في إطلاق دورة جديدة من التنمية عنوانها تحصين المكتسبات، وتسريع الإصلاحات الكبرى، وضمان استمرارية الأوراش المفتوحة، بما يعزز ثقة المستثمرين والمواطنين على حد سواء.
وفي بعده الرمزي، أعاد الخطاب التأكيد على مركزية الأمن والاستقرار باعتبارهما رأسمالاً استراتيجياً لا غنى عنه في بيئة إقليمية ودولية مضطربة. كما شكل تجديد الإشادة بمختلف مكونات القوات المسلحة الملكية والأجهزة الأمنية والإدارة الترابية والوقاية المدنية اعترافاً بالدور الذي تضطلع به هذه المؤسسات في حماية وحدة الوطن وضمان أمنه واستقراره، باعتبار الأمن شرطاً أساسياً لأي مشروع تنموي ناجح.
ويخلص خطاب العرش لسنة 2026 إلى أن المغرب يدخل مرحلة جديدة من مساره التنموي، عنوانها الانتقال من تحقيق النمو إلى ترسيخ السيادة الاقتصادية، ومن بناء البنيات التحتية إلى تعزيز الاقتصاد المنتج والتكنولوجيا والصناعة والابتكار. إنها رؤية تجعل من الاستقرار والمؤسسات والاستثمار والعدالة الاجتماعية عناصر متكاملة في مشروع وطني طويل الأمد، يسعى إلى تمكين المملكة من تعزيز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة وشريك دولي يحظى بالثقة والاحترام.