سبتة أمام موجة هجرة غير مسبوقة… أزمة إنسانية تتجاوز الحسابات الأمنية

بوشعيب البازي

تشهد مدينة سبتة المحتلة واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تمكن أكثر من 1500 مهاجر، غالبيتهم من الشباب المغاربة، من الوصول إلى المدينة في غضون أيام قليلة عبر السباحة انطلاقاً من سواحل الفنيدق. وبالتوازي مع هذا التدفق، ارتفعت حصيلة الضحايا إلى ستة قتلى منذ بداية الموجة الأخيرة، فيما بلغ عدد الغرقى ثلاثين شخصاً منذ مطلع سنة 2026 في محيط سبتة وحدها، في مؤشر يعكس خطورة المسارات البحرية التي بات يسلكها المهاجرون.

ولا تقتصر المأساة على الجانب الإسباني، إذ تشير معطيات غير رسمية إلى تسجيل وفيات أيضاً على السواحل المغربية، ما يؤكد أن البحر تحول مرة أخرى إلى مسرح لفقدان الأرواح بسبب الهجرة غير النظامية، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ الإسبانية والمغربية عمليات التدخل بشكل يومي لإنقاذ العشرات من الغرق.

الهجرة… حين تتحول المخاطرة إلى خيار

تكشف هذه الموجة الجديدة أن دوافع الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بالوضع الاقتصادي أو البطالة، رغم استمرار تأثيرهما الكبير، بل أصبحت تتغذى أيضاً من معطيات قانونية وإشاعات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تفيد بصعوبة ترحيل من يتمكن من الوصول إلى سبتة، وهو ما يدفع العديد من الشباب إلى الاعتقاد بأن عبور المدينة يمثل بوابة نحو الاستقرار في أوروبا.

Screenshot

كما ساهم انتشار صور ومقاطع فيديو لمهاجرين نجحوا في الوصول إلى سبتة، ومنها صورة فتاة مغربية رفعت علامة النصر بعد قطعها مسافة طويلة سباحة، في تكريس صورة رمزية للهجرة باعتبارها “انتصاراً”، بينما يغيب عن المشهد الثمن الحقيقي الذي يدفعه عشرات الضحايا الذين تنتهي رحلتهم في أعماق البحر.

شبكات الاتجار بالبشر تستثمر في الثغرات القانونية

تشير المؤشرات إلى أن شبكات الاتجار بالبشر أصبحت أكثر قدرة على استغلال المستجدات القانونية والإدارية لتسويق أوهام النجاح أمام الشباب. فكلما ظهرت معطيات بشأن تعقيد إجراءات الإرجاع أو بطئها، سارعت هذه الشبكات إلى تحويلها إلى وسيلة لاستقطاب المزيد من الراغبين في الهجرة، مقابل تعريضهم لمخاطر قد تنتهي بالموت.

Screenshot

وتبرز هذه المعطيات أن المواجهة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تتطلب أيضاً حرباً على التضليل الذي تمارسه هذه الشبكات، إلى جانب تعزيز حملات التوعية بخطورة الهجرة غير النظامية ونتائجها الإنسانية.

مدريد تؤكد متانة التعاون مع الرباط

رغم الجدل السياسي الذي أثارته الأزمة داخل إسبانيا، خاصة بعد مطالبة رئيس حكومة سبتة خوان فيفاس بإعلان حالة طوارئ وطنية، فإن الحكومة الإسبانية اختارت التأكيد على متانة التعاون مع المغرب. فقد شددت وزارة الداخلية الإسبانية، في بلاغ رسمي، على وجود تنسيق “مثالي” بين البلدين في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، معربة عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها السلطات المغربية خلال الأيام الأخيرة لإحباط آلاف محاولات العبور.

كما أعلن الجانبان عن تعزيز التعاون الميداني وتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية، بما ينسجم مع الاتفاقيات الثنائية المنظمة لهذا الملف.

اليمين الإسباني يستثمر الأزمة سياسياً

وكما جرت العادة، تحولت الهجرة إلى ورقة سياسية داخل إسبانيا، حيث سارعت أحزاب اليمين واليمين المتطرف إلى تحميل الحكومة المركزية مسؤولية ما يحدث، مع استحضار أحداث مايو 2021 والمطالبة بإجراءات أكثر تشدداً، من بينها مقترحات بإقامة حواجز بحرية إضافية لمنع الوصول إلى سبتة سباحة.

غير أن هذا الخطاب يختزل الظاهرة في بعدها الأمني، متجاهلاً أن الضغوط الديمغرافية والاقتصادية التي تشهدها الضفة الجنوبية للمتوسط تجعل من الهجرة تحدياً مشتركاً لا يمكن لأي دولة معالجته بشكل منفرد.

المغرب… شريك أوروبي في إدارة الحدود

تؤكد التطورات الأخيرة مرة أخرى أن المغرب أصبح فاعلاً أساسياً في منظومة الأمن والهجرة بمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. فالمملكة تواصل تفكيك شبكات الاتجار بالبشر وإحباط آلاف محاولات الهجرة سنوياً، وتخصص إمكانيات بشرية ولوجستية كبيرة لحماية حدودها وحدود الاتحاد الأوروبي في آن واحد.

ويفسر هذا الواقع حرص مدريد على الإشادة بالتعاون القائم مع الرباط، باعتباره أحد أهم عوامل الاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

التنمية… الحلقة المفقودة في معالجة الظاهرة

غير أن نجاح المقاربة الأمنية، مهما كانت أهميته، لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب إلى ركوب المخاطر. فخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم والتكوين، وتعزيز التنمية بالمناطق الأكثر هشاشة، تظل أدوات أكثر استدامة في الحد من الهجرة غير النظامية من الاكتفاء بتشديد الرقابة على الحدود.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن بناء الأسوار لا يوقف الهجرة بقدر ما يغير مساراتها ويزيد من خطورتها، بينما يبقى الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية للحد من هذه الظاهرة.

بين الواجب الأمني والمسؤولية الإنسانية

تضع موجة الهجرة الحالية المغرب وإسبانيا أمام اختبار جديد يفرض تحقيق توازن دقيق بين حماية الحدود وإنقاذ الأرواح. فكل جثة يلفظها البحر تؤكد أن الهجرة غير النظامية ليست مجرد ملف أمني أو سياسي، بل قضية إنسانية تتطلب تعاوناً دولياً، وسياسات تنموية، وحرباً حقيقية ضد شبكات الاتجار بالبشر، حتى لا يبقى البحر الأبيض المتوسط مقبرة مفتوحة لأحلام آلاف الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com