في كل مرة تستيقظ فيها مدينة سبتة على وقع وصول عشرات أو مئات الشباب المغاربة سباحةً أو على متن وسائل بدائية، ينشغل الرأي العام بالأرقام والصور والمشاهد الصادمة، بينما يغيب السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي يدفع إنسانًا إلى مواجهة أمواج البحر وهو يدرك أن احتمال الموت قد يكون أكبر من احتمال النجاة؟ إن سبتة لم تكن يومًا حلمًا في حد ذاتها، بل أصبحت رمزًا لفشل منظومة اجتماعية واقتصادية لم تستطع أن تمنح جزءًا من شبابها سببًا مقنعًا للبقاء.
إن الهجرة غير النظامية ليست مجرد مخالفة للقانون، بل هي في جوهرها تعبير عن أزمة ثقة بين المواطن ووطنه. فعندما يقتنع شاب بأن مستقبله يوجد خلف الأسلاك الشائكة أكثر مما يوجد داخل حدود بلده، فإن القضية تتجاوز البحث عن فرصة عمل، لتصبح بحثًا عن الكرامة، وعن الشعور بالإنصاف، وعن حقه في بناء حياة مستقرة. وما يؤلم أكثر أن هذه القناعة لم تعد تقتصر على فئة محدودة، بل امتدت إلى آلاف الشباب، بل وحتى القاصرين الذين باتوا يرون في البحر طريقًا للخلاص، رغم أنهم يدركون أن نهايته قد تكون قبرًا مفتوحًا.
المشهد الأكثر قسوة لا يتمثل في وصول بعض المهاجرين إلى الضفة الأخرى، بل في أولئك الأطفال والشباب الذين لفظتهم الأمواج قبل أن يبلغوا اليابسة. إنهم لم يكونوا أرقامًا في بيانات رسمية، بل أبناءً فقدتهم أمهاتهم، وآباءً كانوا ينتظرون رسالة تطمئنهم، وأحلامًا صغيرة انتهت في قاع البحر. ولا يمكن لأي مجتمع أن يعتبر نفسه معافى وهو يشاهد أبناءه يختارون المجازفة بحياتهم بدل انتظار فرصة قد لا تأتي.
وليس من الإنصاف اختزال الظاهرة في الفقر وحده، فالهجرة اليوم أصبحت نتيجة تفاعل معقد بين البطالة، وغلاء المعيشة، وارتفاع كلفة السكن، واتساع الفوارق الاجتماعية، وضعف الحركية الاقتصادية، والشعور المتزايد لدى فئات واسعة بأن الجهد لا يقابله أفق واضح. إن كثيرًا من الشباب لا يطالبون بالثراء، وإنما يطالبون بفرصة عادلة، وعمل كريم، وإحساس بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن لا خارجه.
إن أخطر ما في الظاهرة أنها لم تعد تقتصر على العاطلين عن العمل، بل أصبحنا نرى خريجي الجامعات، وأصحاب الشهادات، وحتى بعض العاملين، يفكرون في الرحيل بأي وسيلة. وهذا مؤشر على أن الأزمة ليست أزمة دخل فقط، وإنما أزمة أمل. فحين يهاجر الأمل قبل أن يهاجر الإنسان، يصبح البحر أقل رعبًا من الانتظار.
ولا يجوز، في المقابل، تقديم الهجرة غير النظامية باعتبارها طريقًا للخلاص. فالضفة الأخرى ليست جنة، وكثير ممن يصلون يواجهون أوضاعًا قانونية واجتماعية معقدة، ويعيشون سنوات طويلة في الهشاشة وعدم الاستقرار. لذلك فإن إنقاذ الأرواح لا يكون بتشجيع المغامرة، بل بإزالة الأسباب التي تجعل المغامرة تبدو خيارًا مقبولًا في نظر آلاف الشباب.
إن المغرب يمتلك من الطاقات البشرية والإمكانات الاقتصادية ما يؤهله لصناعة نموذج تنموي أكثر عدالة، لكن تحقيق ذلك يتطلب سياسات عمومية تجعل الإنسان في صلب الأولويات، وتعيد الاعتبار للتعليم، والتكوين، والتشغيل، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالوطن الذي يمنح أبناءه الأمل، لا يخشى أن يفقدهم في عرض البحر.
ويبقى السؤال الأخلاقي الذي ينبغي أن يؤرق الجميع: كم طفلًا آخر يجب أن تبتلعه الأمواج حتى ندرك أن المشكلة ليست في البحر، بل في اليابسة؟ وكم جنازة صامتة نحتاج حتى نقتنع بأن معالجة الهجرة تبدأ من الداخل، من بناء الثقة، ومن حماية الكرامة الإنسانية، ومن جعل الوطن فضاءً للحياة لا مجرد محطة انتظار نحو المجهول؟
إن سبتة ليست الحلم الذي يراود شباب المغرب، بل هي المرآة التي تعكس واقعًا مؤلمًا ينبغي مواجهته بشجاعة ومسؤولية. وعندما يصبح البحر أهون من اليأس، فإن المأساة لا تكون في الأمواج، بل في الظروف التي دفعت أبناء الوطن إلى الارتماء فيها. فالأوطان تُقاس بقدرتها على احتضان شبابها، لا بعدد الذين يغادرونها بحثًا عن حياة يعتقدون أنها أكثر كرامة.