حين تصبح الهجرة صرخة اجتماعية: لماذا يختار الشباب المغاربة ركوب البحر بدل انتظار المستقبل؟
بوشعيب البازي
ليست مشاهد الشباب الذين يخاطرون بحياتهم في عرض البحر أو يحاولون الوصول إلى مدينة سبتة مجرد أخبار عابرة أو أرقام تضاف إلى تقارير الهجرة غير النظامية، بل هي مرآة تعكس أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة. فعندما يقرر آلاف الشباب مواجهة الأمواج والمجهول، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف نمنعهم من الهجرة؟ بل: ما الذي دفعهم إلى الاعتقاد بأن المجهول أكثر رحمة من واقعهم؟
إن الهجرة، في جوهرها، ليست خيارًا ترفيهيًا، وإنما هي نتيجة مباشرة لاختلالات متراكمة. فشباب يحمل شهادات ولا يجد فرص عمل، وآخرون يشتغلون في قطاعات صناعية بأجور متواضعة لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، يجدون أنفسهم أمام انسداد في الأفق الاجتماعي. ولا يتعلق الأمر فقط بمستوى الدخل، بل أيضًا بغياب الشعور بإمكانية تحسين أوضاعهم عبر العمل والاجتهاد داخل وطنهم.
وتزداد حدة هذا الإحساس عندما يشعر المواطن بأن السياسات العمومية لا تنعكس على حياته اليومية. فبينما تُرصد استثمارات ضخمة للمشاريع الكبرى والاستعدادات للتظاهرات الدولية، ينتظر جزء من المجتمع أن تواكب هذه المشاريع سياسات اجتماعية أكثر عدالة، تضمن السكن اللائق، والتعليم الجيد، والصحة، وفرص الشغل، باعتبارها ركائز لا غنى عنها لتحقيق التنمية الشاملة. فنجاح أي مشروع وطني لا يقاس فقط بما يحققه من إشعاع دولي، بل أيضًا بقدرته على تحسين حياة المواطنين.
ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي لبعض عمليات إعادة تهيئة المدن أو إنجاز المشاريع الكبرى، إذ يشعر بعض المتضررين بأنهم لم يستفيدوا بالشكل الذي كانوا ينتظرونه من برامج المواكبة أو التعويض، وهو ما يعمق الإحساس بالإقصاء لدى فئات من المجتمع. فالتنمية الحقيقية تقتضي أن يكون الإنسان محور كل مشروع، وأن تُصان كرامته وحقوقه بالتوازي مع تحديث البنيات التحتية.
كما أن استمرار مظاهر الفساد وسوء الحكامة، أو حتى انتشار الإحساس بعدم تكافؤ الفرص، يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات. فحين يرى المواطن أن بعض المنتخبين أو المسؤولين منشغلون بالمصالح الضيقة أكثر من انشغالهم بخدمة الصالح العام، تتراجع الثقة في العمل السياسي باعتباره وسيلة للتغيير، ويترسخ الاعتقاد بأن النجاح لم يعد مرتبطًا بالكفاءة أو الاجتهاد بقدر ارتباطه بالنفوذ والعلاقات.
أما المدرسة، التي يفترض أن تكون المصعد الاجتماعي الأول، فإنها تواجه بدورها تحديات كبيرة. فالتسرب المدرسي، خاصة في الأوساط الهشة، يحرم آلاف الأطفال من حقهم في بناء مستقبل أفضل، ويعيد إنتاج الفقر جيلاً بعد جيل. وكل طفل يغادر مقاعد الدراسة مبكرًا لا يخسر فقط حقه في التعليم، بل يخسر المجتمع معه فرصة تكوين مواطن قادر على الإسهام في التنمية.
إن المغرب يمتلك مؤهلات اقتصادية وبشرية كبيرة، وحقق خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في مجالات متعددة، غير أن هذه الإنجازات تحتاج إلى أن يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالتنمية لا تكتمل إلا إذا انعكس أثرها على القدرة الشرائية، وعلى فرص الشغل، وعلى جودة الخدمات العمومية، وعلى الإحساس بالعدالة الاجتماعية.
ولهذا، فإن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، لأن الأمن يواجه النتائج ولا يعالج الأسباب. أما العلاج الحقيقي، فيكمن في خلق اقتصاد منتج يفتح أبواب الأمل أمام الشباب، وتعزيز الحكامة والشفافية، ومحاربة الفساد، والاستثمار في التعليم والصحة، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو.
إن الذين يركبون البحر لا يهربون من وطنهم، بل يهربون من واقع يعتقدون أنه لم يعد يمنحهم فرصة لبناء مستقبل كريم. وحين يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل قسوة من الحياة اليومية، فإن الرسالة التي يبعث بها هؤلاء الشباب تستحق أن تُقرأ بعمق ومسؤولية، لا باعتبارها تحديًا للدولة، بل باعتبارها نداءً اجتماعيًا يدعو إلى مراجعة السياسات العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية، حتى يبقى الوطن فضاءً للأمل، لا محطةً للرحيل.