انتخابات 2026 في المغرب: هل تنجح النخب الشابة في كسر احتكار التمثيل السياسي؟

حنان الفاتحي

تمثل الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 محطة سياسية تتجاوز رهان التنافس على المقاعد البرلمانية، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بمستقبل النخب الحزبية وآفاق تجديد الحياة السياسية. فالمشهد الانتخابي الحالي يكشف عن بروز متزايد لمرشحين شباب يخوضون غمار المنافسة في دوائر انتخابية لطالما ارتبطت بأسماء وازنة وشخصيات راكمت نفوذًا انتخابيًا على امتداد عقود، الأمر الذي يمنح هذا الاستحقاق بعدًا يتجاوز التداول الدوري على السلطة نحو اختبار قدرة النظام الحزبي على تجديد نخبه وإعادة إنتاج شرعيته المجتمعية.

لقد ظل الحديث عن إشراك الشباب في المؤسسات المنتخبة حاضرًا في الخطاب السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، غير أن انتخابات 2026 تبدو مختلفة نسبيًا، بالنظر إلى انتقال عدد من الوجوه الشابة من المواقع الرمزية أو اللوائح المخصصة إلى المنافسة المباشرة داخل دوائر انتخابية ذات وزن سياسي وانتخابي كبير. ويعكس هذا التحول تغيرًا تدريجيًا في مقاربة بعض الأحزاب، التي وجدت نفسها أمام ضرورة الاستجابة لمطالب متزايدة بتجديد النخب وربط المسؤولية السياسية بالكفاءة والقدرة على التواصل مع التحولات المجتمعية.

في المقابل، لا يزال الواقع الانتخابي يكشف استمرار حضور الشخصيات التقليدية داخل عدد من الدوائر التي تشكل معاقل انتخابية راسخة. فالأحزاب، رغم تبنيها خطابًا يؤكد أهمية ضخ دماء جديدة، ما تزال في كثير من الأحيان تراهن على مرشحين يمتلكون خبرة تنظيمية ورصيدًا انتخابيًا يرفع من فرص الفوز، وهو ما يعكس استمرار منطق الواقعية الانتخابية على حساب منطق التجديد السياسي.

وتبرز هذه المفارقة بوضوح في عدد من الدوائر الكبرى، حيث يخوض مرشحون شباب منافسة مباشرة مع قيادات سياسية مخضرمة، في مشهد يعكس صراعًا بين ثقافتين سياسيتين: الأولى تستند إلى تراكم التجربة وشبكات النفوذ المحلي، والثانية تراهن على القرب من المواطنين، والعمل الميداني، والتواصل الرقمي، واستثمار التحولات التي يشهدها الرأي العام، خصوصًا في أوساط الشباب.

ولعل من أبرز ملامح هذه الانتخابات اعتماد عدد من المرشحين الشباب على أدوات جديدة في إدارة حملاتهم الانتخابية، تقوم على الحضور المكثف في الفضاء الرقمي، والتفاعل المباشر مع الناخبين، والانخراط في المبادرات المدنية والمحلية، بدل الاقتصار على الآليات التقليدية التي ظلت لعقود ترتكز على شبكات الأعيان والوساطة الانتخابية. ويعكس هذا التحول تغيرًا في طبيعة المنافسة السياسية، حيث أصبحت القدرة على بناء الثقة والتواصل المستمر عنصرًا لا يقل أهمية عن الامتداد التنظيمي أو النفوذ المحلي.

وفي سياق موازٍ، اتجهت الدولة إلى اعتماد إجراءات قانونية ومالية تروم تشجيع مشاركة الشباب في العملية الانتخابية، من خلال تخفيف الأعباء المرتبطة بالحملات الانتخابية، وتوفير تحفيزات لفائدة المرشحين من الفئات العمرية الشابة، فضلًا عن مراجعة بعض المقتضيات القانونية المنظمة للترشح. وتمثل هذه التدابير محاولة لإعادة التوازن إلى المنافسة الانتخابية، والحد من تأثير المال السياسي، وتوسيع قاعدة المشاركة داخل المؤسسات التمثيلية.

غير أن هذه الإصلاحات، على أهميتها، لا تبدو كافية لإحداث تحول جذري في بنية النخب السياسية. فالتحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بالإطار القانوني، وإنما بثقافة حزبية ما تزال تمنح الأولوية لإمكانية الفوز الانتخابي أكثر من اهتمامها بإعادة بناء النخب. لذلك تظل قرارات التزكية خاضعة في كثير من الأحيان لحسابات انتخابية دقيقة، تجعل التجديد رهينًا بمدى توافقه مع فرص تحقيق نتائج إيجابية في صناديق الاقتراع.

ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا حول طبيعة التجديد المطلوب. فإفساح المجال أمام وجوه شابة لا يعني بالضرورة إحداث تحول في الممارسة السياسية، ما لم يقترن ذلك بتطوير الخطاب الحزبي، وتجديد آليات العمل السياسي، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على إنتاج أفكار وبرامج تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

كما أن نجاح المرشحين الشباب لن يقاس فقط بعدد المقاعد التي قد يحصلون عليها، وإنما بقدرتهم على تقديم نموذج مختلف في الممارسة السياسية، يقوم على القرب من المواطنين، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والانشغال بالقضايا اليومية للناخبين، بعيدًا عن منطق الزعامات التقليدية أو الولاءات المحلية الضيقة.

وتظل مشاركة الشباب في الانتخابات مرتبطة أيضًا بمستوى الثقة في المؤسسات التمثيلية. فارتفاع نسب العزوف السياسي بين الفئات الشابة يعكس، في جانب منه، فجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات المجتمع، وهو ما يجعل استعادة هذه الثقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب خلال المرحلة المقبلة. ومن ثم، فإن تجديد النخب لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأسماء، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن على أسس جديدة تقوم على الكفاءة، والإنجاز، والقدرة على الاستجابة للتطلعات الاجتماعية.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو انتخابات 2026 لحظة اختبار حقيقية لمسار التطور الحزبي في المغرب. فهي لا تختبر فقط قدرة الأحزاب على الفوز بالمقاعد، بل تقيس أيضًا مدى استعدادها لإعادة تشكيل نخبها بما ينسجم مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع المغربي. فإذا نجح الجيل الجديد في فرض حضوره داخل دوائر انتخابية كانت حكرًا على الأسماء التقليدية، فإن ذلك قد يشكل بداية تحول تدريجي في موازين القوى داخل الحقل السياسي. أما إذا بقي حضوره محدودًا، فإن شعار تجديد النخب سيظل أقرب إلى خطاب انتخابي متكرر منه إلى مشروع إصلاحي قادر على إحداث تغيير حقيقي في بنية التمثيل السياسي.

وفي المحصلة، لا تبدو انتخابات 2026 مجرد استحقاق دوري لتجديد مجلس النواب، بل تمثل اختبارًا لمستقبل الوساطة الحزبية في المغرب، ولمدى قدرة المؤسسات السياسية على استيعاب جيل جديد يحمل أدوات مختلفة في التواصل والعمل العام. فالرهان الحقيقي لا يتمثل في استبدال الوجوه، وإنما في تجديد الثقافة السياسية نفسها، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات، ويرسخ نموذجًا ديمقراطيًا أكثر تمثيلية وفاعلية واستجابة لمتطلبات التنمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com