حين تستفيق الأحزاب قبيل الانتخابات: من يحاسب من؟

بوشعيب البازي

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأ المشهد السياسي يستعيد واحدة من أكثر عاداته إثارة للجدل: أحزاب سياسية ترفع فجأة شعار محاربة الفساد، وتعلن دفاعها عن المواطن، وتنتقد الغلاء والجشع وتدعو إلى حماية المال العام، فيما تتبادل في ما بينها الاتهامات حول الاختلالات وسوء التدبير وتضارب المصالح.

وقد يبدو المشهد، في ظاهره، وكأن الحياة السياسية المغربية دخلت مرحلة جديدة من اليقظة. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: من يفضح من؟ بل: أين كانت هذه الأحزاب طوال السنوات الماضية؟

السؤال يزداد وجاهة، خصوصاً أن جمعية «ترانسبرانسي المغرب» وضعت، قبل أسابيع من الاستحقاق الانتخابي، الأحزاب الممثلة في البرلمان أمام اختبار مباشر، مطالبة إياها بمواقف واضحة من قضايا الفساد وحماية المال العام وتنازع المصالح.

محاربة الفساد… أم موسم انتخابي جديد؟

المفارقة أن بعض الأصوات التي ترتفع اليوم دفاعاً عن المواطن هي نفسها التي كانت حاضرة داخل المؤسسات المنتخبة والحكومات والبرلمان والمجالس الترابية. بعضها شارك في صناعة القرار، وبعضها تولى مسؤوليات تنفيذية أو تشريعية، وبعضها ظل لسنوات جزءاً من المشهد السياسي الذي ينتقده اليوم.

وهنا يصبح من المشروع أن يسأل المواطن: إذا كان الفساد بهذه الخطورة التي تتحدثون عنها اليوم، فلماذا لم تكن مواجهته أولوية عندما كنتم في موقع المسؤولية؟

لا يتعلق الأمر باتهام جميع المنتخبين أو جميع الأحزاب بالفساد، فهذا تعميم لا يستقيم سياسياً ولا قانونياً. كما أن وجود اختلالات أو ملفات قضائية تخص بعض المنتخبين لا يعني إدانة كل من ينتمي إلى مؤسسة أو حزب. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في ظاهرة سياسية أوسع: غياب التقييم الجدي للمسؤولية السياسية بعد انتهاء الولاية.

فالسياسي لا ينبغي أن يحاسب فقط عندما يطلب أصوات المواطنين، بل أيضاً عندما تنتهي مهمته.

المواطن لا ينسى

المواطن المغربي لم يعد ذلك الناخب الذي ينتظر الخطاب الانتخابي لكي يكتشف من يستحق ثقته. سنوات من الوعود، وتوالي الحكومات والمجالس المنتخبة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتفاوت فرص التنمية، جعلت جزءاً واسعاً من المجتمع أكثر حساسية تجاه الخطاب السياسي.

والأخطر من ذلك أن المواطن بات يرى أحياناً الوجوه نفسها تعود إلى الواجهة، بالأدوار نفسها تقريباً، وبالوعود نفسها، ثم تستأنف خطابها وكأن السنوات السابقة لم تكن موجودة.

وهنا تطرح الديمقراطية سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: ماذا قدم المنتخب خلال الولاية السابقة؟

هل دافع فعلاً عن مصالح المواطنين؟ هل مارس دوره الرقابي والتشريعي كما ينبغي؟ هل قاوم تضارب المصالح؟ هل دافع عن المال العام؟ هل كان حاضراً عندما كانت القرارات الصعبة تُتخذ؟ وهل يستطيع اليوم أن يقدم حصيلة مكتوبة وموثقة لما أنجزه؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من الحملات الانتخابية التي تقوم على تبادل الاتهامات.

عندما يتحول الخصم السياسي إلى “مكتشف” للفساد

من أكثر المفارقات إثارة في المشهد السياسي أن يتحول الخصم السياسي، مع اقتراب الانتخابات، إلى أهم مصدر لاكتشاف أخطاء خصمه.

فحزب يفتح ملفاً ضد حزب آخر، ومسؤول سياسي ينتقد تدبير مسؤول سابق، وبرلماني يكتشف فجأة أن هناك اختلالات في قطاع معين، فيما يرد الطرف الآخر باتهامات مضادة.

لكن المواطن يتساءل: هل كانت هذه الاختلالات غير مرئية قبل الانتخابات؟

إذا كانت هناك مخالفات فعلية، فمكانها الطبيعي ليس المنابر الانتخابية وحدها، وإنما المؤسسات الرقابية والقضائية المختصة. وإذا كانت مجرد اتهامات سياسية، فإن استعمالها في الحملات الانتخابية لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الأدلة والمساطر القانونية.

محاربة الفساد ليست مؤتمراً صحافياً، ولا شعاراً انتخابياً، ولا ورقة لتصفية الحسابات بين الأحزاب. إنها منظومة تبدأ بالوقاية، وتمر بالشفافية والرقابة، وتنتهي بالمحاسبة عندما تثبت المسؤولية.

الفقير لا يريد خطابات جديدة

المواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار لا يحتاج إلى سياسي يخبره بأن الغلاء مشكلة؛ هو يعيشها يومياً.

والعامل الذي يبحث عن دخل يحفظ كرامته لا يحتاج إلى خطاب طويل عن العدالة الاجتماعية؛ هو يريد سياسة عمومية تمنحه فرصة حقيقية.

والشاب الذي يفكر في الهجرة لا يبحث بالضرورة عن حزب جديد بقدر ما يبحث عن أفق داخل بلده.

لهذا فإن معركة الانتخابات المقبلة لن تكون، في نظر كثير من المواطنين، مجرد منافسة بين برامج حزبية. إنها أيضاً اختبار للثقة.

وإذا كانت الأحزاب تريد بالفعل استعادة هذه الثقة، فإن الطريق لا يمر عبر مهاجمة بعضها البعض فقط، وإنما عبر تقديم حساب سياسي واضح: ماذا فعلتم عندما كنتم في السلطة؟ ماذا غيرتم عندما كنتم في البرلمان؟ ماذا حققتم في المجالس التي سيرتموها؟ وماذا أخفقتم في تحقيقه؟

المغرب يحتاج إلى تجديد سياسي حقيقي

المشكلة ليست في وجود الأحزاب، ولا في التعددية السياسية، ولا في اختلاف البرامج. المشكلة تكمن عندما تتحول السياسة إلى دائرة مغلقة تتكرر فيها الأسماء والوجوه والممارسات نفسها، بينما تتغير فقط الشعارات الانتخابية.

المغرب في حاجة إلى ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، ليس لمجرد أن الشباب أكثر شباباً، وإنما لأن تجديد النخب يمكن أن يفتح المجال أمام أفكار وأساليب جديدة في التدبير والمراقبة والتواصل مع المواطنين.

لكن التجديد لا يعني إقصاء أصحاب التجربة لمجرد تقدمهم في السن. فالتجربة السياسية رصيد مهم. المطلوب هو أن تصبح الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز معايير حقيقية للترشح وتحمل المسؤولية، لا مجرد الولاء الحزبي أو القدرة على جمع الأصوات.

كما أن الشباب الذين يطالبون بمكانهم في المؤسسات يجب أن يثبتوا بدورهم أن لديهم مشروعاً سياسياً، وليس فقط رغبة في الوصول إلى مواقع القرار.

لا يمكن لفاسد أن يكون عنواناً لمحاربة الفساد

ربما تكون أكثر الصور عبثية في السياسة أن يتحول شخص تحوم حول تجربته السياسية شبهات أو أسئلة مشروعة إلى بطل مفترض في معركة محاربة الفساد، من دون أن يقدم أولاً حصيلة واضحة عن فترة مسؤوليته.

لكن هنا يجب التمييز بدقة بين الشبهة والإدانة. فالمتهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، ولا يجوز تحويل الاتهامات السياسية إلى أحكام قضائية.

ومع ذلك، فإن المسؤولية السياسية أوسع من المسؤولية الجنائية. فقد لا يكون المسؤول قد ارتكب جريمة، لكنه قد يفشل في التدبير، أو يعجز عن تحقيق وعوده، أو لا يمارس صلاحياته كما ينبغي. وفي هذه الحالات، تكون المحاسبة السياسية عبر صناديق الاقتراع حقاً مشروعاً للمواطن.

الانتخابات ليست شهادة براءة

الفوز في الانتخابات لا ينبغي أن يكون بمثابة شهادة براءة من الماضي، كما أن الخسارة لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة أخلاقية تلقائية.

المعيار الحقيقي هو الحصيلة.

ولهذا، فإن المطلوب من الأحزاب المغربية، في هذه المرحلة، ليس المزيد من المزايدات، وإنما كشف أوراقها أمام الرأي العام: أسماء المرشحين، سيرهم، حصائلهم، مواقفهم، مصالحهم المعلنة، ومشاريعهم القابلة للقياس.

وقد يكون من المفيد أن يتحول النقاش الانتخابي من سؤال “من هو الأسوأ؟” إلى سؤال أكثر نضجاً: من يملك القدرة على تقديم نموذج مختلف؟

فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع أن خصمه فاسد؛ يريد أن يعرف ماذا سيفعل هذا الحزب لمنع الفساد داخل صفوفه هو.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لا يمكن لحزب أن يطالب المجتمع بالثقة فيه، بينما يرفض أن يخضع هو نفسه للمساءلة.

المواطن يريد وجوهاً جديدة… ولكن قبل كل شيء يريد سلوكاً جديداً

قد تكون الوجوه الجديدة مطلباً مشروعاً، لكنها وحدها لا تكفي. فقد يأتي وجه جديد بعقلية قديمة، وقد يحمل شاب إلى المؤسسة نفسها الأدوات نفسها التي استُعملت لعقود.

المطلوب إذن ليس فقط تغيير الوجوه، بل تغيير الثقافة السياسية.

ثقافة تعتبر المنصب تكليفاً لا امتيازاً، والانتخاب مسؤولية لا استثماراً، والمال العام أمانة لا مجالاً للمساومة، والمواطن شريكاً في القرار لا مجرد رقم انتخابي يظهر كل خمس سنوات.

وإذا كانت الأحزاب قد استفاقت فعلاً من سباتها، فإن أفضل دليل على ذلك لن يكون البيانات ولا الخطب ولا الاتهامات المتبادلة، بل قدرتها على تقديم مرشحين جدد، وبرامج قابلة للقياس، وآليات داخلية للمحاسبة، والتزام واضح بالشفافية.

أما أن يستفيق السياسي قبل الانتخابات بأشهر، ثم يكتشف فجأة أن المواطن فقير وأن الأسعار مرتفعة وأن الفساد موجود، فذلك لا يكفي لإقناع أحد.

المغرب لا يحتاج إلى سياسيين يكتشفون مشاكل المواطنين كل خمس سنوات. المغرب يحتاج إلى مسؤولين يجعلون المواطن حاضراً في حساباتهم طوال مدة الولاية.

والرسالة التي قد تحملها انتخابات 2026، في نهاية المطاف، ليست فقط من سيفوز ومن سيخسر، وإنما ما إذا كان الناخب سيختار إعادة إنتاج الماضي، أم سيطالب فعلاً بمرحلة سياسية مختلفة.

فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط؛ إنها تبدأ يوم يصبح المسؤول مستعداً لأن يُسأل عما فعله عندما كان يملك القرار.

ومن يريد اليوم أن يحارب الفساد، عليه أولاً أن يقبل بأن يُسأل عن السنوات التي كان فيها قادراً على محاربته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com