الأعوان المحليون في القنصلية المغربية : بين مقتضيات العقود وواقع الأجور وسؤال العدالة المهنية
بوشعيب البازي
في المؤسسات الدبلوماسية والقنصلية، لا تُقاس جودة العمل فقط بعدد الخدمات المقدمة للمواطنين، ولا بمدى انضباط المرفق العمومي، وإنما أيضاً بمدى احترام حقوق العاملين داخله. فالموظف أو العون الذي يقف يومياً في الواجهة لخدمة أفراد الجالية يفترض أن يكون أول من تحرص الإدارة على صون كرامته المهنية والاجتماعية.
غير أن معطيات متداولة داخل أوساط العاملين بالقنصليات العامة للمملكة المغربية تثير أسئلة جدية حول وضعية الأعوان المحليين، خصوصاً فيما يتعلق بالأجور والامتيازات المنصوص عليها في عقود العمل، وبمدى ملاءمة شروط العمل مع تكاليف المعيشة في دول الإقامة.
وتتحدث هذه المعطيات عن وجود مقتضيات تعاقدية تسمح بالاستفادة من بعض الامتيازات، غير أن عدداً من الأعوان، بحسب ما أفيد، لا يستفيدون منها بالشكل الذي يفترض أن تضمنه العقود. كما يثار نقاش بشأن الاقتطاعات المرتبطة بالمساهمات الاجتماعية والضريبية، وانعكاسها على الأجر الصافي الذي يتقاضاه العامل في نهاية الشهر.
المسألة هنا ليست تقنية محاسباتية فحسب. إنها ترتبط بسؤال أكبر: هل تستطيع الإدارة المغربية أن تطلب من عون محلي أداء عشرات المهام والمسؤوليات داخل مؤسسة قنصلية، فيما تظل شروط عيشه الكريم موضع تساؤل؟
عندما تصبح المسؤولية أكبر من الراتب
الأعوان المحليون ليسوا مجرد عناصر ثانوية داخل القنصلية. فهم يوجدون في الصف الأول من الاحتكاك اليومي مع المواطنين، ويتحملون أعباء إدارية وتنظيمية متعددة، ويشكلون في كثير من الأحيان الواجهة العملية للمرفق القنصلي.
ولهذا فإن الحديث عن ظروفهم المهنية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مطالبة بامتيازات استثنائية، وإنما باعتباره نقاشاً حول التوازن بين الواجبات المهنية والحقوق الاجتماعية.
وتنص النصوص المنظمة لوزارة الشؤون الخارجية المغربية على إمكانية توظيف أعوان محليين للعمل بالبعثات الدبلوماسية والمراكز القنصلية، كما تجعل تحديد مهامهم وشروط توظيفهم وأجورهم خاضعاً لإطار تنظيمي خاص.
لكن وجود النص القانوني أو البند التعاقدي لا يكفي وحده. فالاختبار الحقيقي يبدأ عند التطبيق: هل يستفيد العون فعلياً من الحقوق التي ينص عليها عقده؟ وهل تتلاءم الأجور مع طبيعة العمل ومع مستوى المعيشة في الدولة التي يعمل فيها؟
الاقتطاعات ليست المشكلة وحدها
من الطبيعي أن تخضع الأجور للاقتطاعات الاجتماعية والضريبية وفق القواعد المعمول بها. كما أن السفارات والقنصليات الأجنبية التي تشغل عمالاً محليين تكون، بحسب الحالة القانونية للعامل والعقد المطبق، مطالبة باحترام الإطار القانوني والاجتماعي ذي الصلة.
بل إن وزارة الخارجية البلجيكية مثلا تنشر نموذجاً خاصاً بعقود العمل للأشخاص الذين يتم توظيفهم محلياً وبشكل كامل لدى البعثات الدبلوماسية في بلجيكا عندما يكون القانون البلجيكي قابلاً للتطبيق. لذلك فإن السؤال الذي يستحق الإجابة ليس: لماذا توجد اقتطاعات؟ وإنما: ما هو الأجر الإجمالي؟ وما هي الاقتطاعات؟ وما الذي ينص عليه العقد؟ وما هو الأجر الصافي النهائي؟ وما هي الحقوق الاجتماعية والامتيازات التي يحصل عليها العون فعلياً؟
هذه أسئلة يمكن، بل ينبغي، أن تكون موضوع افتحاص إداري ومالي واضح، بعيداً عن الانطباعات أو الروايات المتداولة.
فجوة بين الموظف المعين من المغرب والعون المحلي
الإشكال الأكثر حساسية يكمن في الفارق الذي يشعر به بعض الأعوان بين وضعيتهم وبين وضعية الموظفين الرسميين التابعين لوزارة الشؤون الخارجية والمعينين للعمل بالخارج.
فالنظام القانوني المغربي يميز بوضوح بين الموظفين العاملين بالخارج وبين الأعوان المحليين؛ بل إن المرسوم المنظم لأوضاع موظفي وزارة الشؤون الخارجية يحدد نظاماً خاصاً للأعوان المعينين للعمل بالخارج، بما يشمل الأجور والمنافع والتعويضات وفق القواعد المنظمة لهم.
ومن هنا تنشأ حالة من المقارنة الطبيعية داخل بيئة العمل نفسها: موظف يأتي من الإدارة المركزية ويحصل على نظام تعويضي خاص بالخارج، مقابل عون محلي يعيش في البلد نفسه، ويواجه تكاليف السكن والنقل والتأمين والطاقة والغذاء والتعليم، لكنه يخضع لنظام مختلف جذرياً.
ولا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود اختلاف بين النظامين، فهذا أمر يمكن أن يكون مبرراً قانوناً وإدارياً، وإنما في مدى عدالة الفارق عندما يصبح العون المحلي غير قادر على تأمين مستوى عيش لائق رغم قيامه بمهام أساسية داخل المؤسسة نفسها.
كرامة العون جزء من صورة القنصلية هناك مفارقة تستحق التوقف عندها.
فالقنصلية مطالبة بالدفاع عن مصالح المواطنين المغاربة، وتقديم صورة محترمة عن الدولة ومؤسساتها في الخارج. لكن صورة الإدارة لا تتشكل فقط من مظهر البناية أو جودة الاستقبال أو عدد الوثائق التي تتم معالجتها.
الصورة تبدأ أيضاً من الداخل.
فإذا كان العون الذي يستقبل المواطن المغربي، ويعالجه إدارياً، ويتحمل ضغط المواعيد والملفات والشكايات، يشعر بأنه غير منصف مهنياً أو اجتماعياً، فإن المشكلة لا تبقى داخلية. إنها تتحول، بشكل أو بآخر، إلى جزء من صورة المؤسسة نفسها.
ومن غير المنطقي أن يُطلب من العامل الالتزام الكامل، والمرونة، وتحمل ضغط العمل، وتعدد المهام، بينما لا تحظى ظروفه المهنية بالاهتمام نفسه.
المطلوب ليس الامتياز… بل الشفافية
إن فتح هذا الملف لا ينبغي أن يتحول إلى حملة ضد أشخاص بعينهم، ولا إلى اتهامات غير موثقة بالفساد أو سوء التدبير. فمثل هذه الاتهامات تحتاج إلى وثائق وأدلة ومساطر واضحة.
المطلوب، قبل كل شيء، هو الشفافية.
كم يبلغ متوسط الأجر الإجمالي للأعوان المحليين بالقنصلية؟ وما هو الأجر الصافي؟ ما هي الاقتطاعات؟ ما هي الامتيازات المنصوص عليها في العقود؟ كم منها يتم تطبيقه فعلياً؟ وهل توجد فروق في الأجور بين أعوان يؤدون مهام متقاربة؟ ومن يتحمل مسؤولية مراجعة العقود وتحيينها بما يتلاءم مع تطورات سوق العمل وتكاليف المعيشة في بلجيكا؟
هذه ليست أسئلة عدائية. إنها أسئلة مشروعة في مؤسسة عمومية تمول وتدار باسم الدولة المغربية.
إصلاح الإدارة يبدأ من داخلها
الحديث عن إصلاح القنصليات المغربية في أوروبا غالباً ما ينصرف إلى تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتطوير المواعيد الرقمية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين الاستقبال. كل ذلك ضروري، لكنه غير كافٍ.
الإصلاح الحقيقي يبدأ أيضاً من الموارد البشرية.
فلا يمكن بناء إدارة حديثة بعقلية تقوم على تحميل العامل أكبر قدر ممكن من المسؤوليات، ثم التعامل مع حقوقه المهنية باعتبارها مسألة ثانوية. ولا يمكن الحديث عن الحكامة الجيدة إذا لم تكن العلاقة بين الإدارة والعون المحلي قائمة على وضوح العقد، واحترام الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي حالة القنصليات العامة للمملكة المغربية، قد يكون الوقت قد حان لفتح نقاش مؤسساتي هادئ حول وضعية الأعوان المحليين، أجورهم، امتيازاتهم، ظروف عملهم، ومسارات التظلم المتاحة لهم.
فالخدمة العمومية لا تُقاس فقط بما تقدمه الإدارة للمواطن، وإنما أيضاً بالطريقة التي تعامل بها من يقدّم تلك الخدمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر بساطة والأكثر إلحاحاً: إذا كان العون المحلي مطالباً بأن يكون في خدمة المواطن المغربي بكل كفاءة وانضباط، فمن يضمن له، في المقابل، الحق في أجر عادل وظروف عمل تحفظ له كرامته وتتيح له العيش الكريم في البلد الذي يؤدي فيه وظيفته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى عقود واضحة، وأرقام شفافة، ومراجعة مستقلة، وإرادة حقيقية في إصلاح الإدارة من الداخل قبل مطالبة الآخرين بالثقة فيها.