من الهجرة والحرية إلى الاستخبارات.. الرواية الإسبانية الجديدة حول وفاء عتي
بوشعيب البازي
مدريد – خلال أيام قليلة، انتقلت قصة الشابة المغربية وفاء عتيد من قضية إنسانية أثارت اهتمام الإعلام الإسباني إلى رواية ذات طابع أمني واستخباراتي. فبعد أن قُدمت في البداية باعتبارها شابة غادرت المغرب بحثاً عن مساحة أوسع من الحرية، ظهرت في بعض المنابر الإسبانية رواية جديدة تلمّح إلى احتمال ارتباطها بأجهزة مغربية، بل وتصفها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأنها موضع شبهة استخباراتية.
آخر فصول هذه القصة نشره موقع EDATV يوم الإثنين 24 غشت، حين تحدث عن مشاهدة وفاء عتيد داخل مقهى في سبتة رفقة ثلاثة رجال قيل إنهم عناصر في الشرطة المغربية. غير أن التدقيق في مضمون الرواية يكشف فجوة واضحة بين ما يقدمه العنوان وما تثبته المعطيات الواردة في المادة نفسها.
فالرجال الثلاثة لم تُكشف هوياتهم، ولم تُنشر أسماؤهم أو صور واضحة تسمح بالتحقق من شخصياتهم، كما لم يقدم الموقع وثيقة رسمية تثبت أنهم ينتمون إلى الشرطة المغربية. وحتى مصدر المعلومة، وفق الرواية المنشورة، لا يتجاوز أشخاصاً في سبتة قالوا إنهم تعرفوا عليهم باعتبارهم رجال شرطة مغاربة، قبل أن ينقل صحفي هذه المعلومة إلى الجمهور.
الأكثر أهمية أن المادة نفسها تقر بعدم وجود تأكيد رسمي، إسباني أو مغربي، بشأن هوية الأشخاص الثلاثة أو طبيعة اللقاء الذي جمعهم بوفاء عتيد. كما لا تقدم أي معطى بشأن مضمون الحديث الذي دار داخل المقهى أو السبب الذي جعل الشابة تلتقي بهم.
وهنا تبرز المشكلة الأساسية: كيف يمكن لمعلومة لم تُحسم هوية أصحابها أن تتحول، في العنوان، إلى حقيقة أمنية شبه مكتملة؟
من معلومة مجهولة المصدر إلى شبهة تجسس
المسار الذي سلكته القصة يطرح أسئلة جدية حول الطريقة التي يمكن بها للإعلام الرقمي أن يصنع رواية أمنية انطلاقاً من معلومة أولية غير موثقة. فوجود ثلاثة رجال إلى جانب امرأة داخل مقهى لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على أي علاقة استخباراتية. وحتى إذا ثبت أنهم موظفون في الشرطة المغربية، فإن ذلك لا يثبت تلقائياً طبيعة العلاقة بينهم وبين وفاء عتيد، ولا يحول لقاءً عابراً إلى اجتماع استخباراتي.
لكن القصة أخذت منحى مختلفاً. فمن «ثلاثة رجال شوهدوا مع وفاء»، انتقلت الرواية إلى «ثلاثة شرطيين مغاربة»، ثم إلى احتمال وجود صلة بأجهزة مغربية، وصولاً إلى تساؤلات حول دور الاستخبارات الإسبانية، وفي مقدمتها المركز الوطني للاستخبارات (CNI).
بهذه الطريقة، جرى تجاوز عدة حلقات أساسية في أي تحقيق صحفي مهني: تحديد هوية الأشخاص، التحقق من وظائفهم، معرفة طبيعة علاقتهم بوفاء، ثم البحث عن أدلة مستقلة تؤكد أو تنفي وجود صلة استخباراتية.
غياب هذه الحلقات لا يعني أن الرواية خاطئة بالضرورة، لكنه يعني ببساطة أنها لم تُثبت بعد. وهذه مسافة جوهرية بين الصحافة القائمة على التحقق وبين صناعة الانطباعات.
من قصة اجتماعية إلى قضية أمنية
تزداد أهمية هذا التحول إذا ما قورن بالتغطية الإعلامية الأولى لقصة وفاء عتيد.
ففي 19 غشت، قدمت صحيفة El País الشابة المغربية، البالغة من العمر 28 عاماً، باعتبارها دخلت إلى سبتة سباحة، وقالت إنها لا تريد العودة إلى المغرب لأسباب تتعلق، بحسب روايتها، بالعلاقة بين الرجل والمرأة، والدين، ورفضها ارتداء الحجاب، فضلاً عن خلافات عائلية مرتبطة بنمط حياتها واختياراتها الشخصية.
في تلك المرحلة، كانت القصة تُقرأ أساساً من زاوية الهجرة والحرية الفردية ووضع المرأة. وتحولت وفاء سريعاً إلى شخصية إعلامية بارزة في سياق أحداث سبتة.
غير أن ظهور معطيات من حساباتها السابقة على مواقع التواصل الاجتماعي أدى إلى إعادة طرح بعض تفاصيل قصتها. فقد تبين أنها عاشت وعملت خارج المغرب، وأقامت في الإمارات، وسافرت إلى عدد من البلدان، كما حاولت الحصول على تأشيرات قبل دخولها سبتة.
وعادت El País نفسها، في 21 غشت، إلى القصة لتقديم صورة أكثر تعقيداً، موضحة أن وفاء لم تكن مهاجرة اقتصادية بالمعنى التقليدي، وأنها سبق أن عملت خارج المغرب وحاولت الحصول على تأشيرات، قبل أن ترى في أحداث 30 يوليو فرصة للوصول إلى الأراضي الإسبانية، مع استمرارها في التأكيد على أن دوافعها مرتبطة بالحرية ونمط الحياة.
هذه المعطيات لا تثبت، في المقابل، وجود نشاط استخباراتي. لكنها تؤكد أن القصة الأصلية كانت أكثر تعقيداً مما أوحت به بعض التغطيات الأولى.
بين التدقيق الصحفي والبحث عن رواية مثيرة
المشكلة هنا ليست في إعادة فحص رواية أي شخص يظهر في الإعلام. بل على العكس، فإن مراجعة المعلومات والتحقق من التصريحات والتناقضات جزء أساسي من العمل الصحفي.
لكن الانتقال من التشكيك في بعض تفاصيل السيرة الشخصية إلى الاشتباه في التجسس يحتاج إلى مستوى مختلف تماماً من الأدلة.
فالتجسس ليس مجرد لقاء مع موظف أمني، ولا يكفي لإثباته وجود علاقة غامضة أو اتصال غير مفسر. إنه اتهام خطير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخص يوجد أصلاً في وضع هش وتحت أنظار الرأي العام.
ومن ثم، فإن استخدام عبارات من قبيل «جاسوسة» أو الإيحاء بوجود ارتباط بأجهزة استخباراتية ينبغي أن يخضع لمعايير إثبات أعلى بكثير من تلك المطلوبة في الأخبار اليومية.
هل هناك فعلاً تحول في الموقف الإسباني؟
السؤال الأوسع الذي تطرحه هذه القضية لا يتعلق بوفاء عتيد وحدها، بل بالطريقة التي تتشكل بها الروايات الإعلامية حول المغرب وإسبانيا وسبتة في سياق سياسي وأمني شديد الحساسية.
فسبتة ليست مدينة عادية في العلاقة بين البلدين. إنها نقطة تتقاطع فيها ملفات الهجرة والأمن والحدود والسياسة الخارجية، ولذلك فإن أي قصة مرتبطة بالمغرب يمكن أن تتحول بسرعة إلى موضوع سياسي أو أمني.
لكن الحديث عن وجود «عملاء جزائريين» يوجهون الخطاب الإعلامي الإسباني يحتاج بدوره إلى أدلة مستقلة وقابلة للتحقق. فلا يكفي اختلاف الروايات أو ظهور تغطيات تنتقد المغرب لإثبات وجود توجيه استخباراتي جزائري للإعلام الإسباني.
مثل هذه الفرضية، إن كانت ستطرح، تحتاج إلى وثائق أو شهادات موثوقة أو تحقيقات مستقلة تكشف آليات التأثير ومصادرها. أما تحويلها إلى استنتاج جاهز، فيخاطر بإنتاج رواية مضادة لا تختلف كثيراً، من حيث المنهج، عن الرواية التي تنتقدها.
القضية الحقيقية: أين الدليل؟
في النهاية، لا تحتاج قصة وفاء عتيد إلى رواية جديدة بقدر ما تحتاج إلى التحقق من الروايات القائمة.
هل الرجال الثلاثة الذين ظهرت معهم في المقهى موظفون فعلاً في الشرطة المغربية؟ ومن هم؟ ولماذا كانوا في المكان نفسه؟ وهل يعرفون وفاء عتيد؟ وما طبيعة العلاقة التي تجمعهم بها؟ وهل توجد أي أدلة، رسمية أو مستقلة، على اتصالها بأجهزة مغربية؟
هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تقود إلى حقيقة قابلة للتحقق.
أما القفز مباشرة من مشهد في مقهى إلى اتهام بالتجسس، ثم تحميل أجهزة الاستخبارات الإسبانية مسؤولية عدم اكتشاف ذلك، فهو مسار سردي مثير، لكنه لا يرقى، حتى الآن، إلى مستوى الإثبات الصحفي.
وفي قضية بهذه الحساسية، قد يكون الفرق بين الصحافة والتحريض على الشبهة مجرد سؤال بسيط: من يملك الدليل؟
فإذا كان الجواب لا يزال «مصادر لم تُكشف هويتها»، فإن القصة لم تصل بعد إلى نهايتها الأمنية، بل ما زالت في بدايتها الصحفية.