مغاربة العالم يطرقون أبواب مجلس النواب: مواجهة الأعيان واختبار النخبة الجديدة

سومية العلكي

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يستعد عدد من المغاربة المقيمين بالخارج لخوض غمار المنافسة الانتخابية داخل دوائر محلية بالمغرب، في محاولة للوصول إلى مجلس النواب والدفاع من داخله عن قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

الخطوة تحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد الترشح الفردي، إذ تعكس رغبة لدى جزء من مغاربة العالم في الانتقال من موقع المطالب بالخدمات والحقوق إلى موقع الفاعل السياسي والمؤسساتي القادر على مساءلة الحكومة والتشريع والترافع عن الملفات التي تهم ملايين المغاربة المقيمين خارج البلاد.

غير أن هؤلاء المرشحين يخوضون السباق في سياق انتخابي لا تزال فيه مسألة التمثيلية السياسية المباشرة لمغاربة العالم غائبة عن الدوائر الانتخابية المخصصة لهم، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى خوض المنافسة من داخل الدوائر المحلية بالمغرب، في مواجهة شبكات انتخابية تقليدية وثقافة سياسية يصفها منتقدون بأنها ما زالت تمنح وزناً كبيراً للأعيان والعلاقات المحلية.

من الجالية إلى البرلمان

بالنسبة إلى الصحفي بوشعيب البازي، فإن قرار ترشح مغاربة العالم يرتبط بالرغبة في نقل مشاكل مغاربة العالم إلى المؤسسة التشريعية، والدفاع عن حقوقهم وحقوق المواطنين المغاربة عموماً.

وتبقى أولويات الترشح عدداً من الملفات التي تواجه الجالية، من بينها صعوبات التنقل بين أوروبا والمغرب، ولا سيما النقل البحري، فضلاً عن المشاكل التي تعترض أفراد الجالية عند تعاملهم مع الإدارات المغربية.

وتكشف هذه الرؤية عن تحول في طبيعة الخطاب السياسي لبعض المرشحين القادمين من بلدان الإقامة. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بأن تستمع المؤسسات إلى الجالية، يسعى هؤلاء إلى الوصول إلى المؤسسات نفسها، ولو عبر بوابة الدوائر الانتخابية المحلية.

ويحاول هذا النوع من الخطاب تقديم المرشح القادم من الخارج باعتباره حاملاً لتجربة مختلفة، قادراً على مقارنة الممارسات الإدارية والسياسية بين المغرب وبلدان الإقامة. لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة المرشح على تحويل هذه التجارب إلى مقترحات تشريعية وسياسات عمومية قابلة للتطبيق داخل السياق المغربي.

مواجهة ثقافة الأعيان

اللافت في تصريحات بعض المرشحين هو إصرارهم على عدم الاعتراف بمنطق الأعيان، والتأكيد على أن صناديق الاقتراع وحدها يجب أن تكون الفيصل في تحديد الفائزين.

وتبدو هذه الرسالة موجهة إلى جزء من الثقافة الانتخابية المحلية التي ارتبطت، تاريخياً، بنفوذ العائلات والوجاهة الاجتماعية والشبكات الاقتصادية والجمعوية. ويأمل المرشحون القادمين من الجالية في تقديم أنفسهم كبديل لهذه المعادلة، مستفيدين من شبكاتهم الاجتماعية وخبراتهم خارج المغرب.

لكن الانتقال من خطاب رفض الأعيان إلى ممارسة سياسية مختلفة يظل رهيناً بالقدرة على بناء حضور ميداني حقيقي داخل الدائرة الانتخابية، وليس فقط الاعتماد على الاسم أو العلاقات أو الحضور الرقمي.

مغاربة العالم ليسوا نخبة واحدة

غير أن الحديث عن مرشحي مغاربة العالم باعتبارهم كتلة متجانسة من الكفاءات والنخب المهنية يحتاج بدوره إلى قدر من التدقيق.

فإلى جانب الأطر والمهنيين الذين راكموا تجارب حقيقية في بلدان الإقامة، تظهر في المشهد الانتخابي أسماء أخرى لا تنتمي بالضرورة إلى النخب المهنية أو الأكاديمية أو الاقتصادية التي تشغل مواقع وازنة في أوروبا.

وتشمل هذه الفئة بعض الفاعلين الجمعويين، وأصحاب الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وشخصيات معروفة داخل أوساط الجالية بحضورها الجمعوي أو الإعلامي الرقمي. وهي شخصيات استطاعت، على مدى سنوات، بناء شبكة من العلاقات والحضور داخل بعض الأوساط المرتبطة بمغاربة العالم.

ولا يشكل النشاط الجمعوي أو الإعلامي الرقمي، في حد ذاته، انتقاصاً من أهلية أي شخص للترشح. فالعمل المدني يمكن أن يكون مدرسة مهمة في فهم المجتمع والدفاع عن مصالح المواطنين. لكن الانتقال من العمل الجمعوي أو إدارة صفحة على مواقع التواصل إلى العمل التشريعي يفرض مؤهلات إضافية تتعلق بالتشريع، وفهم السياسات العمومية، والقدرة على مراقبة الحكومة والتفاوض داخل المؤسسات.

من البحث عن موقع إلى البحث عن مشروع

وتطرح بعض الترشيحات سؤالاً آخر أكثر حساسية يتعلق بشخصيات ظلت، لسنوات، تبحث عن موطئ قدم داخل المؤسسات والهيئات التي تعنى بمغاربة العالم، سواء من خلال الطموح إلى عضوية مجلس الجالية المغربية بالخارج أو السعي إلى مواقع ومسؤوليات داخل مؤسسات وهيئات وطنية أخرى.

مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق هؤلاء في الترشح أو المشاركة السياسية، وإنما بضرورة التمييز بين مشروع سياسي يستهدف الدفاع عن مصالح المواطنين، وبين مسار شخصي يقوم أساساً على البحث المتكرر عن موقع داخل المؤسسات.

فالانتقال إلى البرلمان لا ينبغي أن يكون مجرد محطة جديدة في مسار طويل من السعي إلى المناصب. وإنما يفترض أن يكون نتيجة تصور سياسي واضح، وبرنامج انتخابي قابل للقياس، وقدرة على تحويل مطالب الجالية إلى مبادرات تشريعية ومواقف مؤسساتية.

الجالية تريد أكثر من تمثيل رمزي

قضايا مغاربة العالم أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد الملفات الإدارية التقليدية. فهناك الاستثمار والتحويلات المالية، وحماية الحقوق الاجتماعية، والتقاعد، والتعليم، ونقل الملكية، والمشاكل العقارية، والعلاقات القنصلية، والنقل بين أوروبا والمغرب، إضافة إلى قضايا الأجيال الجديدة التي ولدت ونشأت في بلدان الإقامة.

لهذا السبب، فإن تمثيل الجالية داخل البرلمان، إذا تحقق عبر المرشحين القادمين من الخارج، سيكون مطالباً بتجاوز الخطاب العاطفي حول «الوطن» و«حب المغرب»، والانتقال إلى لغة السياسات العمومية والأرقام والبرامج والمساءلة.

فالمواطن المغربي المقيم في بروكسل أو باريس أو مدريد أو أمستردام لا يحتاج فقط إلى نائب يتحدث باسمه، وإنما إلى نائب يستطيع فهم الملفات المعقدة التي تربط بين المغرب وبلدان الإقامة، وتحويل المشاكل المتكررة إلى أسئلة برلمانية ومقترحات قوانين ومبادرات سياسية.

مطلب الحصة البرلمانية يعود إلى الواجهة

وتعيد هذه الترشيحات أيضاً إلى الواجهة مطلب تخصيص تمثيلية مباشرة لمغاربة العالم داخل مجلس النواب، وهو مطلب ظل حاضراً في النقاش العمومي منذ سنوات.

ويعتبر المدافعون عن هذا الخيار أن ملايين المغاربة المقيمين بالخارج ينبغي أن تكون لهم آلية واضحة ومباشرة لاختيار ممثليهم، بدل اضطرار الراغبين في دخول البرلمان إلى التنافس داخل دوائر انتخابية محلية في المغرب.

في المقابل، فإن أي صيغة مستقبلية لتمثيلية مغاربة العالم ستحتاج إلى نقاش مؤسساتي واسع حول طريقة توزيع المقاعد، وشروط الترشح، والدوائر الانتخابية، وطريقة التصويت، وضمانات النزاهة والشفافية.

اختبار للصناديق وللنخبة

الانتخابات المقبلة قد تمنح مغاربة العالم فرصة نادرة لاختبار حضورهم السياسي من داخل المؤسسات المغربية. لكنها في الوقت نفسه ستضع هذه النخبة أمام امتحان حقيقي.

فإذا كان بعض المرشحين يرفعون شعار مواجهة الأعيان، فإن عليهم إثبات أن البديل ليس مجرد أعيان جدد بوجوه مختلفة، ولا شخصيات جمعوية أو رقمية تستبدل نفوذ العلاقات التقليدية بنفوذ شبكات التواصل الاجتماعي.

المعيار في النهاية ينبغي أن يكون أبسط وأكثر صرامة: الكفاءة، والنزاهة، والبرنامج، والحضور الميداني، والقدرة على الترافع، والاستقلالية في اتخاذ القرار.

أما مغاربة العالم، الذين ظلوا لسنوات يطالبون بمكان لهم داخل المؤسسات، فقد يجدون أنفسهم أمام سؤال لا يقل أهمية عن سؤال التمثيلية نفسه: هل يريدون مجرد الوصول إلى البرلمان، أم يريدون إنتاج نخبة سياسية جديدة قادرة فعلاً على تمثيلهم؟

وفي انتظار أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها، تبدو المعركة مفتوحة بين من يراهن على التجربة القادمة من أوروبا، ومن يعتمد على شبكات النفوذ المحلية، وبين مرشحين يحملون مشروعاً سياسياً واضحاً وآخرين قد ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها محطة جديدة في رحلة البحث عن موقع داخل مؤسسات الدولة.

وفي جميع الحالات، سيكون الحكم النهائي للناخب، لا للقب، ولا للشهرة، ولا لعدد المتابعين، ولا لطول قائمة العلاقات. فالبرلمان، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى وجوه جديدة فقط، بل إلى أصوات قادرة على صناعة الفرق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com