قضية المهدي حيجاوي: بين معطيات الاستخبارات وصناعة الرواية الإعلامية

حنان الفاتحي

Screenshot

بروكسل – الرباط: عادت قضية المهدي حيجاوي إلى واجهة النقاش الإعلامي في إسبانيا، في ظرف سياسي وأمني بالغ الحساسية، تتقاطع فيه تداعيات أزمة الهجرة مع التوترات المتراكمة في العلاقات المغربية الإسبانية. وفي خضم هذا السياق، بدأت بعض وسائل الإعلام الإسبانية في تقديم حيجاوي باعتباره شخصية محورية في دوائر الاستخبارات المغربية، بل وربط اسمه بملفات أمنية شديدة الحساسية، وعلى رأسها قضية برنامج التجسس «بيغاسوس».

وتجاوزت بعض التغطيات حدود تقديمه باعتباره مسؤولاً سابقاً في جهاز الاستخبارات الخارجية، لتمنحه أدواراً أكثر اتساعاً، من بينها وصفه بـ«السيد بيغاسوس»، في إشارة إلى مزاعم بشأن إشرافه على منظومة تجسس معلوماتي استهدفت، وفق هذه الروايات، شخصيات سياسية أوروبية، من بينها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

غير أن مثل هذه الادعاءات تطرح إشكالية مهنية أساسية تتعلق بمستوى الأدلة التي تستند إليها، وبالحد الفاصل بين المعلومة القابلة للتحقق والتفسير الصحفي الذي قد يتحول، بفعل التكرار، إلى ما يشبه الحقيقة المكتملة.

عندما يتحول الشخص إلى «قصة»

تكمن إحدى أبرز سمات هذه القضية في الطريقة التي جرى بها بناء صورة حيجاوي في بعض وسائل الإعلام. فبدلاً من الاقتصار على تحديد مساره المهني والوقائع القضائية المرتبطة به، تحولت شخصيته تدريجياً إلى محور لرواية أمنية وسياسية واسعة.

مصطلحات من قبيل «بنك المعلومات»، و«الرجل الثاني في الاستخبارات»، و«السيد بيغاسوس» تحمل في حد ذاتها حمولة تفسيرية كبيرة. وهي لا تكتفي بوصف شخص أو وظيفة، وإنما تضع القارئ منذ البداية داخل سردية محددة بشأن طبيعة الدور الذي يُفترض أن يكون قد اضطلع به.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين ما يمكن إثباته من خلال وثائق أو مصادر مستقلة، وبين ما يبقى في نطاق التسريبات أو الاستنتاجات أو الروايات المتداولة.

«بيغاسوس» بين التحقيق والتوظيف السياسي

تظل قضية برنامج «بيغاسوس» واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة. وقد أثارت المزاعم المتعلقة باستخدام البرنامج لمراقبة مسؤولين وشخصيات سياسية وصحافيين نقاشاً واسعاً على المستويين القضائي والسياسي.

غير أن إدراج اسم حيجاوي في هذا الملف، ثم تقديمه باعتباره المسؤول المباشر أو المركزي عن عمليات التجسس المزعومة، يحتاج إلى أدلة محددة ومستقلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات ذات طبيعة خطيرة يمكن أن تكون لها تداعيات سياسية وقضائية.

فالصحافة المهنية لا تكتفي بطرح السؤال، بل مطالبة أيضاً بتحديد مصدر المعلومة، ودرجة موثوقيته، وما إذا كانت المعطيات المتوفرة تسمح بالانتقال من مستوى الاشتباه أو الادعاء إلى مستوى الاستنتاج.

السياق الإسباني لا يمكن تجاهله

لا يمكن فصل التغطية الإعلامية الحالية عن السياق السياسي الإسباني الأوسع. فملفات الهجرة والأمن والحدود أصبحت في السنوات الأخيرة من أكثر القضايا استقطاباً داخل إسبانيا، كما أن العلاقات مع المغرب ترتبط مباشرة بعدد من هذه الملفات، من الهجرة إلى التعاون الأمني ومراقبة الحدود.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن للملفات ذات الطابع الاستخباراتي أن تتحول بسهولة إلى أدوات في الصراع السياسي الداخلي، خصوصاً عندما تتزامن مع نقاشات حادة حول سياسة الحكومة تجاه المغرب.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل ما تنشره وسائل الإعلام الإسبانية يفتقر إلى المصداقية، أو أن الانتقادات الموجهة إلى المغرب لا تستند إلى وقائع. لكن السياق السياسي يفرض على الصحافة مزيداً من التدقيق، لا مزيداً من الاستنتاجات.

بين حق الصحافة وواجب الإثبات

تكمن أهمية قضية حيجاوي في أنها تضع الصحافة أمام اختبار مهني حقيقي. فمن حق وسائل الإعلام التحقيق في أجهزة الاستخبارات، وتتبع مسارات المسؤولين السابقين، والكشف عن أي تجاوزات محتملة. لكن هذا الحق يقابله واجب أساسي يتمثل في التحقق، والتمييز بين الاتهام والحقيقة، وإتاحة مساحة كافية للرد والتوضيح.

كما أن وجود قضايا أو شبهات قضائية مرتبطة بشخص ما لا يحوّله تلقائياً إلى مصدر موثوق لكل معلومة تتعلق بالأجهزة الأمنية، كما أن صفته السابقة المفترضة داخل مؤسسة استخباراتية لا تكفي وحدها لإثبات مسؤوليته عن عمليات محددة.

هذه القاعدة تبدو بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بملفات يمكن أن تؤثر في العلاقات بين دولتين.

من التحقيق الصحفي إلى معركة الروايات

الأخطر في مثل هذه الملفات ليس فقط احتمال وجود معلومات غير دقيقة، وإنما تحولها إلى جزء من رواية سياسية متكاملة. فحين تتكرر أوصاف محددة لشخص ما في وسائل إعلام متعددة، قد تنتقل المعلومة تدريجياً من خانة «الادعاء» إلى خانة «الحقيقة المفترضة»، حتى في غياب أدلة جديدة.

وهنا تصبح وظيفة الصحافة أكثر تعقيداً: ليس المطلوب منها الدفاع عن دولة أو مهاجمة أخرى، وإنما تفكيك الروايات المتنافسة والتحقق من عناصرها، خصوصاً عندما تتداخل المصالح السياسية مع الملفات الأمنية.

اختبار للمهنية قبل أن يكون اختباراً للمغرب

تتجاوز قضية المهدي حيجاوي في نهاية المطاف شخصه ومساره، لتطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة التغطية الإعلامية للملفات المغربية في إسبانيا. فالعلاقات بين البلدين أصبحت شديدة التشابك، وأي ملف أمني أو قضائي يمكن أن يجد طريقه سريعاً إلى النقاش السياسي.

وفي هذا المناخ، تصبح الدقة الصحفية ضرورة لا خياراً. فالمغرب يمكن أن يكون موضوعاً مشروعاً للتحقيق والنقد، كما أن الأجهزة والمؤسسات التابعة له ليست فوق المساءلة. لكن النقد المهني يفقد جزءاً من قيمته عندما تختلط الوقائع بالاستنتاجات، أو عندما تُقدَّم ادعاءات لم تستكمل عناصر إثباتها باعتبارها حقائق نهائية.

وفي قضية حيجاوي تحديداً، يبقى السؤال الأكثر أهمية ليس حجم الأوصاف التي أطلقت عليه، وإنما حجم الأدلة المستقلة التي يمكن أن تسند هذه الأوصاف. فبينما قد تكشف التحقيقات مستقبلاً معطيات جديدة، فإن المعيار الصحفي يظل واحداً: الادعاء مهما كان مثيراً لا يصبح حقيقة بمجرد تكراره، وإنما بما يمكن إثباته وتدقيقه ومساءلة مصادره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com