سبتة بين رواية الحدود وحرب المعلومات: مدريد تستبعد الرباط وتعيد تعريف الأزمة

حنان الفاتحي

لم يكن نفي رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لأي تورط مغربي في موجة التدفق المفاجئ للمهاجرين نحو سبتة مجرد محاولة لتحديد المسؤوليات في أزمة حدودية عابرة. فالرسالة السياسية التي حملتها التصريحات تتجاوز الحادثة نفسها: مدريد لا تريد أن تتحول أزمة الهجرة إلى جولة جديدة من التوتر مع الرباط، ولا أن تُستعمل الحدود الجنوبية لإعادة العلاقات الإسبانية ــ المغربية إلى منطق الشك والاتهام.

وبعد أسابيع من التكهنات، قال سانشيز إن أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها الحكومة الإسبانية لم تتوصل إلى أي دليل يثبت تورط السلطات المغربية في الأحداث التي شهدتها سبتة. وفي ملف حساس اعتادت فيه الهجرة أن تتقاطع مع الحسابات الأمنية والدبلوماسية، يحمل هذا الموقف وزناً سياسياً واضحاً.

فالحدود بين المغرب وسبتة ليست مجرد خط جغرافي. إنها إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين مدريد والرباط، وكل ارتفاع مفاجئ في أعداد المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى المدينة يمكن أن يتحول بسرعة إلى قضية سياسية، خصوصاً عندما تتداخل الوقائع الميدانية مع الروايات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي.

لكن الرواية التي تتبلور في مدريد هذه المرة تنقل مركز الاهتمام من الحدود إلى الشاشة.

من الحدود إلى الهاتف المحمول

تواصل السلطات الإسبانية البحث في الظروف التي سبقت التدفق المفاجئ للمهاجرين، إلا أن المعطيات الرسمية التي قدمها سانشيز وأعضاء حكومته تبرز عاملاً مختلفاً: انتشار معلومات مضللة عبر المنصات الرقمية، بالتوازي مع نشاط شبكات إجرامية تستغل أوضاع المهاجرين وحالة عدم اليقين التي يعيشونها.

وتشير المعطيات الإسبانية إلى أن قراراً للمحكمة العليا صدر في الثامن من يوليوز الماضي تعرض لتفسيرات محرّفة على شبكات التواصل، قبل أن تنتشر رواية مفادها أن الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة سباحة لا يمكن إعادتهم إلى المغرب.

وتكمن خطورة مثل هذه الروايات في أنها لا تبقى بالضرورة داخل المجال الافتراضي. فعندما يقتنع آلاف الأشخاص بأن تغييراً قانونياً فتح نافذة استثنائية للعبور، يمكن للمعلومة المضللة أن تتحول إلى سلوك جماعي خلال ساعات.

وهنا تظهر إحدى أبرز التحولات التي تفرض نفسها على إدارة الهجرة في أوروبا: لم تعد شبكات الاتجار بالبشر وحدها هي التي تحدد إيقاع التحركات، بل أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من البيئة التي تُصنع داخلها قرارات الهجرة، أحياناً على أساس معلومات غير دقيقة أو مجتزأة.

فمنشور مجهول المصدر، أو مقطع فيديو خارج سياقه، أو تفسير قانوني مبتور، يمكن أن يمنح آلاف الأشخاص الانطباع بأن فرصة نادرة للعبور قد ظهرت. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الحدود آخر حلقة في سلسلة تبدأ في الفضاء الرقمي.

مدريد لا تريد أزمة جديدة مع الرباط

في هذا السياق، يبدو استبعاد المغرب من دائرة الاتهام أكثر من مجرد موقف أمني. إنه أيضاً محاولة للحفاظ على أحد أهم مرتكزات التعاون الإسباني ــ المغربي: التنسيق في ملف الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

ويذهب الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد إلى أن الموقف الإسباني يعكس إدراكاً بأن تحويل الأزمة إلى مواجهة سياسية مع الرباط لن يخدم المصالح الأمنية للطرفين.

فالتعامل مع موجات الهجرة غير النظامية، وفق هذا التصور، لا يعتمد فقط على مراقبة الحدود، وإنما على تبادل المعلومات والعمل الاستخباراتي والتنسيق المسبق بشأن الشبكات التي تستغل المهاجرين، بما فيها تلك التي توظف الفضاء الرقمي لتوجيههم أو تعبئتهم.

ويعزز هذا المنحى موقف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي شدد أمام البرلمان على أهمية التعاون مع المغرب، مؤكداً أن قنوات الاتصال مع نظيره المغربي ناصر بوريطة ظلت مفتوحة منذ بداية الأزمة.

وتحاول مدريد، في الوقت ذاته، إبقاء قضية سبتة ضمن إطارها الأمني والهجروي، بعيداً عن ملفات سياسية أخرى قد تؤدي إلى توسيع دائرة الخلاف، سواء تعلق الأمر بالعلاقات الإسبانية ــ الجزائرية أو بالنقاشات المرتبطة بقضية الصحراء أو بملفات الجنسية والهجرة.

المعادلة تبدو بسيطة في ظاهرها: أزمة حدودية يمكن احتواؤها بالتعاون، أما تحويلها إلى أزمة سياسية بين دولتين فسيجعل احتواءها أكثر صعوبة.

التعاون الأمني أمام اختبار جديد

من جانبه، قدم وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إشارات إيجابية بشأن جهود المغرب في التصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية قبل وصولها إلى الحدود.

غير أن أزمة سبتة تكشف في الوقت نفسه حدود المقاربة التقليدية للأمن الحدودي.

فالدوريات البحرية، والأسلاك الحدودية، ونقاط المراقبة، رغم أهميتها، لا تستطيع وحدها مواجهة ظاهرة يمكن أن تبدأ من هاتف محمول في مدينة بعيدة عن الحدود.

ولهذا يبدو أن المرحلة المقبلة ستفرض على التعاون الإسباني ــ المغربي الانتقال تدريجياً من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى محاولة استباقها. ويتطلب ذلك، إلى جانب التنسيق الأمني التقليدي، قدرة أكبر على رصد الحملات المضللة، وتحليل ديناميات التعبئة الرقمية، ومتابعة الشبكات التي تحول المعلومات الكاذبة إلى أداة لاستقطاب المهاجرين.

وهنا تبرز معادلة جديدة: الأمن الحدودي يبدأ قبل الحدود.

سبتة كاختبار لعصر جديد من الهجرة

ما حدث في سبتة لا يمكن اختزاله في أرقام المهاجرين أو في محاولات العبور وحدها. القضية تكشف تغيراً أعمق في طبيعة المخاطر المرتبطة بالهجرة غير النظامية.

في السابق، كانت شبكات التهريب تحتاج إلى بنية ميدانية معقدة لتوجيه الأشخاص نحو نقاط العبور. أما اليوم، فإن الهاتف المحمول قادر على القيام بجزء من هذه المهمة: نشر معلومة، تضخيم إشاعة، تحديد توقيت، أو خلق انطباع بأن فرصة العبور أصبحت متاحة.

وهذا لا يعني أن الفضاء الرقمي هو العامل الوحيد وراء موجات الهجرة، ولا أن كل تحرك جماعي يمكن تفسيره بالمعلومات المضللة. فالدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تظل عناصر أساسية في فهم الظاهرة. لكن التكنولوجيا أضافت طبقة جديدة إلى المشهد، وجعلت انتقال المعلومة أسرع من قدرة المؤسسات على تصحيحها.

ومن هذه الزاوية، تكتسب تصريحات مدريد بشأن عدم تورط المغرب أهمية تتجاوز حادثة سبتة. فهي تغلق، على الأقل في هذه المرحلة، باباً كان يمكن أن يقود إلى مواجهة سياسية جديدة، وتفتح في المقابل نقاشاً أكثر تعقيداً حول طبيعة التهديدات الحديثة التي تواجه الحدود الأوروبية.

بين السياج الحدودي وشاشة الهاتف، تتغير قواعد اللعبة.

فالحدود لم تعد مكاناً تبدأ عنده أزمة الهجرة، بل أصبحت في كثير من الأحيان المكان الذي تظهر فيه أزمة بدأت قبل ذلك بكثير. وإذا كانت مدريد والرباط تريدان الحفاظ على التعاون الأمني القائم بينهما، فإن التحدي المقبل لن يكون فقط في منع العبور، وإنما في فهم الكيفية التي تُصنع بها الرغبة في العبور، ومن يوجهها، ومن يستفيد منها.

في سبتة، لم تعد المعركة تدور فقط حول من يعبر الحدود، بل أيضاً حول من يتحكم في الرواية التي تسبق العبور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com