تندوف – لم تعد الأوضاع داخل مخيمات تندوف تقتصر على مظاهر الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها الساكنة، بعدما برز خلال الأيام الأخيرة ملف مالي وأمني يثير أسئلة متزايدة حول طبيعة آليات الرقابة داخل المخيمات، وحدود مسؤولية الجهات التي تتولى تدبير شؤونها.
فانهيار شركة «إنفرافست» للاستثمار والمقاولات، واختفاء مديرها سلامو أبا علي، حوّلا قضية مالية إلى أزمة ثقة، بعدما وجد عدد من سكان المخيمات أنفسهم أمام مطالب باستعادة أموال أودعوها لدى الشركة مقابل وعود بعوائد مالية مرتفعة.
وتفيد تقارير إعلامية حديثة بأن الشركة كانت تنشط داخل المخيمات منذ نحو عامين، وأنها استقطبت أموالاً من سكان محليين قبل أن تتوقف أنشطتها بصورة مفاجئة، بينما لم يتم حتى الآن تحديد العدد النهائي للمتضررين أو القيمة الإجمالية للأموال محل النزاع بشكل مستقل.
انهيار مفاجئ واختفاء المدير
بدأت الأزمة في 13 سبتمبر الجاري، عندما توقفت «إنفرافست» عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المستثمرين، قبل أن يختفي مديرها سلامو أبا علي، وفق ما أوردته عدة مصادر إعلامية.
وكانت الشركة قد قدمت نفسها باعتبارها مشروعاً استثمارياً قادراً على تحقيق عوائد مالية مهمة للمودعين، فيما تتحدث روايات متداولة داخل المخيمات عن نموذج شبيه بأنظمة الاستثمار الهرمية، حيث تُستخدم أموال المنخرطين الجدد في الوفاء بالتزامات تجاه من سبقوهم.
غير أن توصيف النشاط باعتباره مخططاً احتيالياً من نوع «بونزي» يبقى، في غياب تحقيق قضائي معلن ونتائج رسمية، توصيفاً يحتاج إلى إثبات قانوني نهائي.
غضب المودعين أمام مقر الشركة
وأدى انهيار الشركة إلى تجمع عدد من الأشخاص أمام مقرها في الرابوني، مطالبين باستعادة أموالهم ومعرفة مصير مدخراتهم.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة في بيئة اقتصادية هشة، حيث تمثل المدخرات الفردية بالنسبة إلى كثير من الأسر مورداً محدوداً يصعب تعويضه.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الغموض المحيط بمصير أموال المودعين، إلى جانب عدم ظهور المدير، دفعا المتضررين إلى طرح أسئلة حول كيفية تمكن الشركة من العمل طوال هذه الفترة، والجهة التي كانت تشرف على أنشطتها أو تراقبها.
أين كانت الرقابة؟
السؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه القضية لا يتعلق فقط بمصير أموال المستثمرين، وإنما أيضاً بالبيئة التي سمحت للشركة بممارسة نشاطها وجذب أموال السكان.
فإذا ثبت قضائياً أن الشركة مارست نشاطاً احتيالياً منظماً، فإن التحقيق لن يقتصر بالضرورة على المسؤولية الفردية لمسيريها، بل قد يفتح الباب أمام البحث في كيفية عملها، ومصادر تمويلها، وطبيعة علاقاتها، وما إذا كانت جهات أخرى قد علمت بنشاطها أو استفادت منه.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل قيادة البوليساريو مسؤولية مباشرة عن الاحتيال من دون أدلة موثقة تثبت العلم أو التواطؤ أو التقصير المحدد من جانب مسؤولين بعينهم.
أسئلة حول القدرة على فرض الأمن
وتتزامن الأزمة المالية مع تقارير إعلامية تتحدث عن توترات أمنية وتنامي أنشطة مرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة في محيط المخيمات.
وتبقى هذه المعطيات بحاجة إلى تحقق مستقل، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول الميداني إلى المخيمات وتعدد المصادر التي تنقل روايات متعارضة بشأن الوضع الأمني.
غير أن تزامن الملف المالي مع هذه التقارير أعاد إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بقدرة البنية القائمة في المخيمات على فرض الرقابة، وحماية السكان، وضمان سلامة الأنشطة الاقتصادية التي تستقطب أموالهم.
الجزائر أمام أسئلة جديدة
وتضع القضية أيضاً السلطات الجزائرية أمام أسئلة تتعلق بالرقابة على منطقة تقع على أراضيها، خصوصاً أن مخيمات تندوف توجد ضمن المجال الترابي الجزائري.
وإذا ثبت أن أموالاً ضخمة جرى جمعها أو تحويلها من خلال نشاط استثماري غير قانوني، فإن تحديد المسؤوليات يتطلب معرفة طبيعة الإطار القانوني الذي كانت تعمل في ظله الشركة، والجهات التي منحتها أي تراخيص أو سمحت لها بممارسة نشاطها، فضلاً عن مسار الأموال بعد إيداعها.
حتى الآن، لا تتوفر معطيات رسمية منشورة تسمح بالحسم في هذه النقاط، وهو ما يجعل التحقيق المالي والقضائي المستقل أمراً حاسماً لتحديد الوقائع والمسؤوليات.
أزمة ثقة تتجاوز الأموال
ما يجعل قضية «إنفرافست» ذات أبعاد تتجاوز الاحتيال المالي المحتمل هو تأثيرها على الثقة داخل مجتمع يعيش أصلاً تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة.
ففي مثل هذه البيئات، لا يمثل فقدان المدخرات مجرد خسارة مالية، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية تضرب علاقة السكان بالمؤسسات والأشخاص الذين يفترض أن يضمنوا لهم الحد الأدنى من الحماية القانونية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن القضية تحتاج إلى كشف واضح لمصير الأموال، وتحديد عدد المتضررين، والتحقق من طبيعة نشاط الشركة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة وليس الاتهامات المتبادلة.
تحقيق شفاف لتحديد المسؤوليات
وتفرض التطورات الأخيرة، قبل إطلاق الأحكام السياسية، فتح تحقيق شفاف ومستقل يجيب عن الأسئلة الأساسية: من أسس «إنفرافست»؟ كيف حصلت على الأموال؟ كم يبلغ عدد المودعين؟ ما حجم الأموال المعنية؟ أين ذهبت؟ وكيف تمكن مديرها من الاختفاء؟
وتشير المعطيات المتاحة حالياً إلى أن حجم الخسائر لا يزال غير محدد بصورة مستقلة، كما أن الوجهة التي غادر إليها مدير الشركة لم يتم تأكيدها رسمياً.
وبذلك تتحول قضية «إنفرافست» من مجرد نزاع مالي إلى اختبار حقيقي للشفافية والمساءلة داخل مخيمات تندوف. أما الوصول إلى الحقيقة، فيظل مرتبطاً بفتح تحقيق موثق يسمح للضحايا باستعادة حقوقهم، ويحدد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي للقضية.