هرمز في قلب المقايضة الأميركية ـ الإيرانية: طهران تطرح إعادة فتح المضيق قبل اجتماع ترامب مع قادة الخليج

بوشعيب البازي

بروكسل — قبل ساعات من الاجتماع المرتقب للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي في نيويورك، برزت إشارة إيرانية تحمل أبعاداً دبلوماسية واستراتيجية تتجاوز مسألة الملاحة في مضيق هرمز. فقد أفاد مسؤول إيراني رفيع بأن طهران مستعدة لإعادة فتح المضيق خلال أسبوع، في حال خففت الولايات المتحدة ضغطها العسكري ورفعت الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. 

وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، إذ يلتقي ترامب ممثلي السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عُمان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما تحاول العواصم الخليجية تقييم مسار الحرب مع إيران وانعكاساتها المباشرة على أمن الخليج والملاحة والطاقة. 

هرمز كورقة تفاوض لا كممر ملاحي فقط

في الحسابات الجيوسياسية للأزمة، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق، بل يشكل إحدى أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن أي تهديد باستمرار إغلاقه أو تعطيل حركة السفن ينعكس سريعاً على أسواق النفط وحسابات الدول المستوردة للطاقة.

وقد انعكس الإعلان الإيراني بالفعل على الأسواق، إذ تراجعت أسعار النفط في لندن مع تحسن التوقعات بشأن إمكانية استعادة تدفقات الطاقة من منطقة الخليج. 

ومن هذه الزاوية، فإن العرض الإيراني يمكن قراءته باعتباره محاولة لنقل مركز النقاش من المواجهة العسكرية إلى معادلة تفاوضية واضحة: تخفيف الضغط الأميركي مقابل استعادة حرية الملاحة في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

لكن هذه المعادلة لا تعني، بالضرورة، أن اتفاقاً نهائياً بات قريباً. فالمصادر نفسها تشير إلى استمرار التهديدات المتبادلة، وإلى أن واشنطن وطهران لم تستأنفا بعد مفاوضات مباشرة مستقرة، رغم وجود قنوات اتصال ووساطات غير مباشرة. 

طهران تدخل نيويورك بأوراق تفاوضية

الأكثر دلالة في المبادرة الإيرانية هو الإعلان عن امتلاك الوفد الموجود في نيويورك صلاحيات كاملة لمتابعة المسار الدبلوماسي. ووفق رويترز، فإن إيران كانت قد نقلت عبر وسطاء في 16 سبتمبر مقترحاً لإنهاء الأعمال القتالية، فيما ترى طهران أن اجتماعات الجمعية العامة يمكن أن توفر فرصة لإعادة إطلاق الاتصالات، شريطة أن تقترن النوايا الأميركية بإجراءات ملموسة. 

ويمنح ذلك الوجود الإيراني في نيويورك أهمية تتجاوز المنصة الأممية التقليدية؛ فالجمعية العامة تتحول في ظل الحرب إلى مساحة للتفاوض غير المباشر، خصوصاً مع وجود الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في المدينة.

وفي المقابل، قال ترامب الثلاثاء إن الولايات المتحدة وإيران تتحركان باتجاه تسوية، لكنه أبقى في الوقت نفسه على لهجة شديدة التصعيد تجاه طهران، ما يعكس استمرار التناقض بين لغة الضغط القصوى وفتح نافذة للتفاوض. 

الخليج أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً

بالنسبة إلى دول الخليج، فإن القضية لا تتوقف عند مضيق هرمز. فالحرب باتت مرتبطة بمنظومة أمن إقليمية أوسع تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وباب المندب.

ولهذا يكتسب اجتماع ترامب مع ممثلي الدول الخليجية أهمية خاصة؛ إذ ستجد هذه الدول نفسها أمام سؤال استراتيجي مزدوج: كيف تحافظ على أمن أراضيها ومنشآتها النفطية وممراتها البحرية، وفي الوقت نفسه تتجنب تحول المنطقة إلى مسرح مفتوح لمواجهة أميركية ـ إيرانية طويلة الأمد؟

وتكتسب سلطنة عُمان، تحديداً، أهمية إضافية بحكم دورها التاريخي في الوساطة بين واشنطن وطهران، بينما تمتلك قطر أيضاً قنوات اتصال مع أطراف الأزمة. وقد أشارت تقارير إلى تحركات قطرية لإعادة إطلاق جهود الوساطة والسعي إلى ترتيبات مؤقتة تسمح باستئناف المفاوضات. 

من هرمز إلى البحر الأحمر

المعضلة الاستراتيجية لا تنحصر في المضيق نفسه. فاستمرار التوتر في الخليج يتقاطع مع الوضع الأمني في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تواجه السعودية أيضاً تهديدات مرتبطة بتطورات الحرب الإقليمية.

وبذلك تتشكل أمام الولايات المتحدة ودول الخليج خريطة أمنية مترابطة: هرمز في الشرق، والخليج في الوسط، وباب المندب والبحر الأحمر في الغرب. وأي تصعيد متزامن في هذه النقاط الثلاث يمكن أن يضاعف كلفة الحرب على الطاقة والتجارة العالمية.

وهنا يصبح احتواء التصعيد في هرمز جزءاً من مسألة أوسع تتعلق بمنع انتقال الحرب من مواجهة محدودة بين الولايات المتحدة وإيران إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات.

واشنطن أمام اختبار التوفيق بين الحلفاء والدبلوماسية

يحمل اجتماع ترامب مع ممثلي دول الخليج أيضاً بعداً تفاوضياً داخلياً بالنسبة إلى السياسة الأميركية في المنطقة. فواشنطن مطالبة، من جهة، بتأكيد التزامها بأمن حلفائها الخليجيين، ومن جهة أخرى، بترك مساحة كافية للمفاوضات مع طهران إذا كانت تسعى فعلاً إلى تسوية.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن هذا التوازن ليس سهلاً. فترامب تحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى عزل إيران اقتصادياً، بينما تصر طهران على أن أي مسار تفاوضي يحتاج إلى وقف أو تخفيف الضغوط العسكرية. 

سبعة أيام قد تكون اختباراً للدبلوماسية

اللافت في الطرح الإيراني هو تحديد سبعة أيام كإطار زمني محتمل لإعادة فتح مضيق هرمز. سياسياً، يمنح هذا الشرط طهران ورقة تفاوضية مرتبطة مباشرة بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية.

لكن التطورات تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ إذ ظهرت لاحقاً تقارير عن نفي مصادر إيرانية أخرى صحة بعض تفاصيل العرض المنسوب إلى طهران، ما يعني أن طبيعة المبادرة وشروطها النهائية لا تزال بحاجة إلى تأكيد رسمي واضح. 

وبالتالي، فإن القيمة الحقيقية للعرض لن تتحدد بمجرد الإعلان عنه، وإنما بمدى قدرة الأطراف على تحويله إلى ترتيب قابل للتنفيذ يربط وقف الأعمال العسكرية بحرية الملاحة ورفع القيود الاقتصادية وبدء مفاوضات سياسية أوسع.

في هذه اللحظة، يبدو مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري؛ إنه مقياس لاتجاه الأزمة برمتها. فإذا تحولت المبادرة إلى مفاوضات فعلية، فقد يصبح المضيق مدخلاً لمسار خفض التصعيد. أما إذا بقيت الرسائل المتبادلة محكومة بمنطق الضغط والردع، فإن هرمز سيظل إحدى أخطر نقاط الاختناق في النظام الأمني والطاقوي العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com