واشنطن تعيد طرح تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية.. الأمن الإقليمي في قلب المقاربة الأميركية لنزاع الصحراء
مجدي فاطمة الزهراء
أعاد النائب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، جو ويلسون، طرح دعوته إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، خلال لقاء جمعه، الاثنين، بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ويعيد هذا التحرك وضع البعد الأمني للنزاع حول الصحراء في صلب النقاش السياسي والاستراتيجي داخل واشنطن، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن هشاشة البيئة الأمنية في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.
تحرك داخل الكونغرس لتغيير المقاربة
وقال ويلسون، النائب عن ولاية كارولينا الجنوبية وأحد الأعضاء البارزين في التجمع البرلماني المغربي بالكونغرس، إنه ناقش مع بوريطة العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والمغرب، وقضية السيادة على الصحراء، فضلاً عن «ضرورة تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية».
وتأتي هذه التصريحات في سياق تحرك تشريعي يقوده ويلسون داخل الكونغرس الأميركي. ففي يونيو 2025، تقدم النائب، إلى جانب الديمقراطي جيمي بانيتا، بمشروع قانون يرمي إلى إدراج الجبهة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، في مبادرة عابرة للانتماءات الحزبية، وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
ولا يمثل طرح المشروع، في حد ذاته، قراراً أميركياً نهائياً بالتصنيف، إذ يخضع هذا النوع من الإجراءات لمسار قانوني ومؤسساتي تشارك فيه الجهات المختصة داخل الإدارة الأميركية والكونغرس.
من النزاع الإقليمي إلى هواجس الأمن
يستند أنصار هذا التوجه داخل واشنطن إلى قراءة تعتبر أن النزاع حول الصحراء لا يمكن فصله عن التحولات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، حيث تتداخل النزاعات المسلحة مع شبكات التهريب والجماعات المتطرفة والتنافس الجيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية.
وفي هذا الإطار، يثير ويلسون مخاوف بشأن ما يصفه بصلات محتملة بين البوليساريو وشبكات مسلحة تنشط في المنطقة، فضلاً عن علاقات يُثار بشأنها جدل مع جهات مرتبطة بإيران وروسيا. غير أن هذه الادعاءات تظل بحاجة إلى التمييز بين ما يرد في المواقف السياسية ومشاريع القوانين، وما تثبته تقارير مستقلة وموثوقة من معطيات قابلة للتحقق.
وقد تضمن مشروع القانون الأميركي، بحسب معطيات نشرتها وسائل إعلام متخصصة، دعوات إلى فحص علاقات الجبهة ومصادر دعمها وتمويلها، بما في ذلك أي صلات محتملة بموسكو أو جماعات مسلحة مرتبطة بإيران. ويعكس ذلك توجهاً لدى بعض المشرعين الأميركيين إلى مقاربة ملف الصحراء من زاوية أوسع تتصل بمواجهة النفوذ المناهض لواشنطن في إفريقيا وشمال إفريقيا.
مخيمات تندوف في دائرة الاهتمام
وتحتل مخيمات تندوف، الواقعة جنوب غرب الجزائر والخاضعة لإدارة جبهة البوليساريو، موقعاً مهماً في النقاش الأمني المرتبط بالملف. فالموقع الجغرافي للمخيمات، ضمن فضاء إقليمي يعرف نشاطاً متزايداً لشبكات التهريب والجماعات المسلحة، يجعل وضعها الإنساني والأمني موضوعاً يحظى باهتمام دولي.
غير أن تناول هذا الموضوع يقتضي قدراً من الدقة، خصوصاً عند الحديث عن المسؤولية الجماعية أو الربط المباشر بين الجبهة وتنظيمات جهادية. فوجود أفراد سابقين أو منتمين إلى جماعات مسلحة في شبكات متطرفة أو إجرامية لا يثبت تلقائياً وجود علاقة مؤسساتية أو تنظيمية بين تلك الشبكات والقيادة السياسية للجبهة.
ومن ثم، فإن أي مسعى لتغيير التصنيف القانوني للبوليساريو ينبغي أن يستند إلى أدلة محددة، وإلى معايير قانونية واضحة، لا إلى التقديرات السياسية وحدها.
انعكاسات محتملة على التوازنات الإقليمية
يحمل طرح تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية أبعاداً تتجاوز الإطار القانوني الأميركي. فمن شأن أي قرار رسمي في هذا الاتجاه، إذا اتُخذ، أن يؤثر في طبيعة التعامل الدبلوماسي والمالي والأمني مع الجبهة، كما قد ينعكس على مسار المفاوضات المتعلقة بمستقبل الصحراء.
وتنظر الرباط إلى هذه المبادرة باعتبارها امتداداً للمقاربة التي تركز على مكافحة التهديدات العابرة للحدود، وتعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، وربط الاستقرار الإقليمي بتسوية النزاع. في المقابل، فإن أي تصنيف أميركي محتمل قد يثير ردود فعل من الجزائر والبوليساريو، بالنظر إلى موقع القضية في التوازنات المغاربية والإفريقية.
كما أن إدراج الملف ضمن أجندة مكافحة الإرهاب قد يغير طبيعة النقاش الدولي حول الصحراء، من خلال التركيز على المخاطر الأمنية، دون أن يلغي بالضرورة الأبعاد السياسية والقانونية والإنسانية للنزاع، أو المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.
واشنطن بين الأمن والدبلوماسية
ويكشف تحرك جو ويلسون عن اتساع دائرة الاهتمام داخل المؤسسات الأميركية بالبعد الأمني لقضية الصحراء، وعن سعي بعض المشرعين إلى إدراجها ضمن مقاربة أوسع للتنافس الجيوسياسي ومكافحة الإرهاب في إفريقيا.
لكن الانتقال من الدعوة السياسية إلى تصنيف قانوني رسمي يظل رهيناً بمسار مؤسساتي معقد، وبمدى توافر المعايير والأدلة التي تعتمدها الإدارة الأميركية في مثل هذه القرارات.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن مستقبل هذا الطرح سيظل مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: مسار مشروع القانون داخل الكونغرس، وتقييم المؤسسات الأميركية للمعطيات الأمنية المرتبطة بالبوليساريو، ثم تأثير أي خطوة محتملة على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع حول الصحراء.
وبذلك، لا تقتصر أهمية مبادرة ويلسون على مضمونها المباشر، بل تكمن أيضاً في كونها تعكس تحولاً في طبيعة النقاش داخل واشنطن، حيث باتت الاعتبارات الأمنية والجيوستراتيجية تحتل موقعاً متزايداً في مقاربة أحد أكثر الملفات تعقيداً في شمال إفريقيا.