نيويورك – أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا، في لحظة تتزامن مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتضع الشراكة الثنائية بين الرباط ومدريد أمام اختبار دقيق يتعلق بحدود المسؤولية المشتركة في إدارة الحدود ومواجهة موجات الهجرة الجماعية.
ففي أروقة الأمم المتحدة، حضرت سبتة بقوة في الخطاب الإسباني، بعدما جعل رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، من أزمة الهجرة التي عرفتها المدينة أحد أبرز الأمثلة التي استند إليها في حديثه عن تحديات الهجرة وحقوق الإنسان والتعاون الدولي.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة، وصف سانشيز الوضع في سبتة بأنه إحدى أبرز أزمات الهجرة غير النظامية التي عرفتها إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن «عدم المساواة واليأس والتضليل» ساهمت في تغذية الأزمة. كما شدد على رفض بلاده التعامل مع المهاجرين باعتبارهم أعداء، مؤكداً تمسك مدريد بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
غير أن الخطاب الدبلوماسي الإسباني اتخذ منحى أكثر مباشرة خارج قاعة الجمعية العامة، عندما تحدث سانشيز في مقابلة مع شبكة CNN عن مسؤولية مراقبة الحدود المغربية خلال موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز.
وقال رئيس الحكومة الإسبانية إن آلية مراقبة الحدود المغربية «فشلت» خلال تلك الأحداث، موضحاً أن مدريد طلبت من الرباط تقديم إجابات واتخاذ إجراءات لمنع تكرار السيناريو ذاته.
من التعاون الأمني إلى سؤال المسؤولية
تكشف هذه التصريحات عن جانب أكثر حساسية في العلاقة المغربية-الإسبانية: فالتعاون في مجال الهجرة لم يعد مجرد ملف تقني أو أمني، بل أصبح جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تشمل أمن الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وتدبير تدفقات الهجرة، إضافة إلى الاعتبارات السياسية المرتبطة بمدينتي سبتة ومليلية.
ومنذ السنوات الأخيرة، شكل التعاون المغربي-الإسباني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية أحد محاور التقارب بين البلدين. غير أن الأزمات المفاجئة تظل قادرة على إعادة طرح سؤال تقاسم المسؤولية، خصوصاً عندما تتحول الحدود إلى نقطة ضغط إنساني وأمني في آن واحد.
وفي هذا السياق، فإن تحميل طرف واحد المسؤولية الكاملة عن أزمة معقدة من هذا الحجم يحتاج إلى قراءة دقيقة للوقائع والتحقيقات والمعطيات المتوفرة، بعيداً عن التوظيف السياسي أو الإعلامي.
أزمة 30 و31 يوليوز.. ما الذي حدث؟
شهدت سبتة خلال نهاية يوليوز موجة عبور جماعي غير مسبوقة، دفعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في محيط المدينة. وتشير مصادر إسبانية إلى أن عشرات الآلاف حاولوا الوصول إلى سبتة خلال فترة زمنية قصيرة، بينما عاد عدد كبير منهم إلى المغرب لاحقاً.
وكان سانشيز قد تحدث في وقت سابق عن ظروف الأزمة، مشيراً إلى أن تدفق المهاجرين ارتبط أيضاً برسائل ومحتويات جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبحكم قضائي إسباني يتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الإسبانية.
وتبقى هذه العناصر جزءاً من ملف أكثر تعقيداً، تتداخل فيه العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وتأثير شبكات التواصل، ودور شبكات تهريب البشر، وآليات حماية الحدود، فضلاً عن الالتزامات القانونية للدول تجاه طالبي اللجوء والمهاجرين.
الشراكة أمام اختبار الثقة
الأهم في الأزمة الحالية ليس فقط ما قيل في نيويورك، وإنما كيفية إدارة تداعياته بين الرباط ومدريد.
فالعلاقات المغربية-الإسبانية شهدت خلال السنوات الماضية تحولاً مهماً نحو تعاون أكثر كثافة في ملفات متعددة، من الأمن والهجرة إلى الاقتصاد والطاقة والاستثمار. وبالتالي، فإن أي توتر حول سبتة لا يُقرأ بمعزل عن هذه الشبكة الواسعة من المصالح المشتركة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الحاجة إلى آلية أكثر وضوحاً لتدبير الأزمات الحدودية أمراً مركزياً، بحيث لا تتحول الأحداث الاستثنائية إلى مصدر دائم للتوتر السياسي بين البلدين.
فالحدود المغربية-الإسبانية ليست مجرد خط جغرافي يفصل بين ضفتين، وإنما فضاء تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية والإنسانية والأوروبية.
لهجة أكثر حدة.. ثم رسائل تهدئة
المفارقة اللافتة في الموقف الإسباني أن لهجة سانشيز اتسمت بالصرامة عندما تحدث عن إخفاق مراقبة الحدود المغربية، بينما حافظ في الوقت نفسه على التأكيد بأن العلاقات بين مدريد والرباط تظل إيجابية.
وبعد تصريحاته الأكثر حدة، عاد رئيس الحكومة الإسبانية إلى الإشادة بالتعاون المغربي في مجال مراقبة الحدود، في رسالة بدت أقرب إلى محاولة الفصل بين الخلاف حول إدارة أزمة محددة وبين الإطار الاستراتيجي للعلاقات الثنائية.
وهذا التوازن يعكس طبيعة العلاقة الحالية بين البلدين: تعاون واسع لا يخلو من ملفات حساسة، وشراكة استراتيجية لا تعني بالضرورة غياب الخلافات.
سبتة.. قضية حدود أم أزمة هجرة؟
تتجاوز قضية سبتة في نهاية المطاف سؤال الهجرة غير النظامية. فهي ترتبط أيضاً بمسألة الحدود والسيادة والخصوصية الجغرافية للمدينتين الواقعتين على الساحل الشمالي للمغرب، واللتين تديرهما إسبانيا.
ولذلك فإن أي مقاربة مسؤولة للأزمة تحتاج إلى الفصل بين الملفات وعدم السماح للوقائع الإنسانية بأن تتحول إلى أداة لتأجيج خلافات سياسية أوسع.
كما أن حماية الحدود لا تتعارض، من حيث المبدأ، مع احترام حقوق الإنسان، كما أن الالتزام بالحقوق الإنسانية لا يلغي حق الدول في حماية حدودها. التحدي الحقيقي يكمن في بناء آليات تضمن الأمرين معاً.
اختبار جديد للشراكة
تدخل أزمة سبتة مرحلة جديدة مع انتقال النقاش من تدبير الأزمة ميدانياً إلى البحث عن المسؤوليات والضمانات التي تحول دون تكرارها.
وبالنسبة إلى الرباط ومدريد، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في حدة التصريحات المتبادلة، وإنما في قدرة الطرفين على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة تنظيم التعاون الحدودي والهجرة على أسس أكثر وضوحاً وفعالية.
أما نيويورك، فقد كشفت أن ملف سبتة لم يعد شأناً محلياً محضاً، بل أصبح جزءاً من النقاش الدولي حول الهجرة والحدود والأمن وحقوق الإنسان. وفي هذا السياق، ستظل طريقة إدارة الرباط ومدريد لهذه الأزمة مؤشراً مهماً على مدى قدرة الشراكة بينهما على الصمود أمام الأزمات، دون أن تتحول الخلافات الظرفية إلى قطيعة استراتيجية.