تتحرك الحكومة الإسبانية على نحو متسارع لإيجاد مخرج قانوني وإداري لأزمة الهجرة التي تشهدها مدينة سبتة، عبر إعداد إصلاح تشريعي يهدف إلى تقليص الآجال اللازمة لمعالجة ملفات المهاجرين الذين ما زالوا داخل المدينة، ولا سيما أولئك الذين دخلوا خلال موجة الهجرة الجماعية يومي 30 و31 يوليوز الماضي.
وبحسب صحيفة «إل إنديبندينتي» الإسبانية، تعمل الحكومة على مدار الساعة لإعداد الصيغة القانونية للتعديل، مع إمكانية عرضها على مجلس الوزراء خلال اجتماعه المقبل، قبل إحالتها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها وفق المسطرة القانونية المعتمدة. ويبحث الجهاز التنفيذي، وفق المصدر ذاته، إمكانية منح الإصلاح أثراً رجعياً حتى يشمل الملفات المرتبطة بالأزمة الحالية، وليس فقط الحالات التي ستُفتح بعد دخول النص الجديد حيز التنفيذ.
أسبوعاً تحت مجهر الحكومة
وتتمثل إحدى أبرز الإشكالات المطروحة في المدة التي تستغرقها إجراءات الإعادة. فالإطار المعمول به حالياً يتيح فترة تصل إلى 12 أسبوعاً، موزعة بين ستة أسابيع للإجراءات الإدارية وستة أسابيع للإجراءات القضائية، وفق المعطيات التي قدمها وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا.
وتسعى الحكومة إلى تقليص هذه المدة بصورة ملموسة، بل إلى خفضها إلى النصف إن أمكن، في محاولة لتخفيف الضغط الذي تواجهه المدينة نتيجة استمرار وجود آلاف المهاجرين في مرافق الاستقبال المؤقتة.
ولا يتعلق الأمر، من الناحية القانونية، بمجرد قرار إداري بإعادة المهاجرين، إذ تظل الإجراءات مرتبطة بالضمانات القانونية وبدراسة كل حالة على حدة، فضلاً عن التمييز بين الأشخاص الذين قد تتوفر في ملفاتهم شروط الحماية الدولية وبين الحالات التي لا تستوفي هذه الشروط.
بوريطة: الكرة في الملعب الإسباني
ويأتي التحرك التشريعي الإسباني في سياق دبلوماسي اتخذ فيه المغرب موقفاً واضحاً بشأن مسألة إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال الأزمة الأخيرة.
فخلال اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس بنظيره المغربي ناصر بوريطة في نيويورك، أكد الجانب المغربي، بحسب ما نقلته مصادر الخارجية الإسبانية، استعداده للتعاون الكامل في إعادة المهاجرين الذين لا يحق لهم الحصول على الحماية الدولية.
وكان بوريطة أكثر وضوحاً في تحميل الجانب الإسباني مسؤولية استكمال الإجراءات، مؤكداً أن المغرب لا يملك سلطة إعادة الأشخاص الموجودين داخل الأراضي الإسبانية، وأن استمرار وجودهم في سبتة يرتبط، وفق التصريحات المنسوبة إليه، بالإجراءات والاعتبارات والعوائق التي تواجهها السلطات الإسبانية.
وبذلك، يبدو أن جوهر الخلاف لم يعد مرتبطاً أساساً بإرادة المغرب في استقبال العائدين، بقدر ما يرتبط بالمسار القانوني والإداري الذي يتعين على إسبانيا استكماله قبل تنفيذ عمليات الإعادة.
أزمة بدأت في 30 و31 يوليوز
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى التدفق الاستثنائي للمهاجرين نحو سبتة يومي 30 و31 يوليوز، عندما شهدت المدينة وصول أعداد كبيرة من الأشخاص القادمين من الجانب المغربي.
ومنذ ذلك الحين، تحولت إدارة تداعيات تلك الأحداث إلى ملف أمني وقانوني وإنساني معقد، خصوصاً مع وجود أعداد كبيرة من القاصرين ضمن الوافدين، الأمر الذي يفرض معالجة مختلفة عن تلك المطبقة على البالغين.
وبحسب آخر المعطيات التي أوردتها الصحافة الإسبانية، بلغ عدد القاصرين الذين جرى تسجيلهم أكثر من ألفي طفل ومراهق، فيما استمرت عمليات فرز ودراسة ملفات البالغين. كما سجلت السلطات عودة آلاف الأشخاص إلى المغرب بشكل طوعي منذ 10 غشت.
القاصرون.. الملف الأكثر تعقيداً
ويبقى ملف القاصرين غير المصحوبين من أكثر الملفات حساسية في الأزمة، إذ لا يمكن التعامل معهم وفق الآليات نفسها المعتمدة بالنسبة إلى البالغين.
وتشير المعطيات الإسبانية إلى أن إعادة القاصرين ترتبط، من بين أمور أخرى، بإجراءات لمّ الشمل وبمبدأ حماية مصلحة الطفل، فيما قد يُعاد توزيع بعض القاصرين داخل إسبانيا إذا تعذر جمعهم مع أسرهم في بلدهم الأصلي.
وهذا الجانب يجعل أي إصلاح تشريعي سريع أكثر تعقيداً، لأن تسريع الإجراءات لا يعني بالضرورة تجاوز الضمانات القانونية التي تحكم وضعية الأطفال والقاصرين.
بين تسريع الإجراءات واحترام الضمانات القانونية
ويضع المقترح الإسباني الحكومة أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، هناك ضغط متزايد لتخفيف العبء عن سبتة وإنهاء وضعية الاستقبال المؤقت لآلاف الأشخاص؛ ومن جهة أخرى، تظل الدولة ملزمة باحترام الإجراءات القانونية والضمانات المرتبطة بالهجرة واللجوء والقضاء.
ويكتسب موضوع الأثر الرجعي للتعديل أهمية خاصة في هذا السياق، لأن تطبيق النص الجديد على ملفات بدأت قبل دخوله حيز التنفيذ يطرح أسئلة قانونية حول نطاقه وآثاره على الإجراءات الجارية.
كما أن التحرك الحكومي يأتي في ظل نقاش قضائي أوسع حول آليات الإعادة من سبتة. فقد أوضح القضاء الإسباني في وقت سابق من الأزمة أن نظام الإعادة الفورية على الحدود لا ينطبق على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة، وأن مثل هذه الحالات تخضع لإجراءات الإعادة وليس لنظام الرفض الفوري على الحدود.
الرباط ومدريد أمام اختبار جديد
وتكشف أزمة سبتة مرة أخرى مدى الترابط بين البعدين الأمني والدبلوماسي في العلاقات المغربية الإسبانية. فبينما تحتاج مدريد إلى تسريع معالجة الملفات وإنهاء الضغط الذي تواجهه المدينة، تؤكد الرباط استعدادها للتعاون في عمليات العودة، تاركة للجانب الإسباني مهمة استكمال المساطر القانونية الضرورية.
وبالتالي، فإن نجاح المقاربة الجديدة لن يقاس فقط بقدرة الحكومة الإسبانية على تقليص آجال دراسة الملفات، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات تدبير الأزمة واحترام الضمانات القانونية، خصوصاً بالنسبة إلى طالبي الحماية والقاصرين.
وفي انتظار الصيغة النهائية للإصلاح التشريعي، يبقى السؤال المركزي هو ما إذا كانت مدريد ستتمكن من تحويل الوعود بتسريع الإجراءات إلى آلية قانونية قابلة للتطبيق على الملفات الحالية، من دون أن يؤدي ضغط الأزمة إلى اختزال التعقيدات القانونية والإنسانية التي تحيط بملف الهجرة في سبتة.