تبون أمام أسئلة الصحراء: بين تشدد الخطاب وضغوط الواقع الدبلوماسي

مجدي فاطمة الزهراء

في ظهوره التلفزيوني مساء 3 أكتوبر، اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كعادته في حواراته الدورية مع وسائل الإعلام الرسمية، الدفاع عن مواقف بلاده في عدد من الملفات الإقليمية والدولية. غير أن حديثه، الذي امتد لساعتين، بدا أقل وضوحاً حين وصل إلى القضايا التي تواجه فيها الجزائر ضغوطاً دبلوماسية متزايدة، وفي مقدمتها نزاع الصحراء والعلاقات مع دول الجوار والشركاء الدوليين.

وكان ملف الصحراء في صدارة الأسئلة، في توقيت يكتسب حساسية خاصة مع اقتراب عودة القضية إلى مجلس الأمن. وفي هذا السياق، قال تبون إن الجزائر لن تكون «صحراوية أكثر من الصحراويين أنفسهم»، وهي عبارة تبدو، للوهلة الأولى، أقل تشدداً من بعض مواقفه السابقة، لكنها تترك أسئلة مفتوحة حول حدود هذا الموقف ومدى انسجامه مع السياسة الجزائرية التقليدية تجاه النزاع.

الصحراء بين الخطاب الجزائري والتحول الأممي

خلال الحوار، حاول تبون التأكيد على أن الجزائر تحترم قرارات مجلس الأمن، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الحل الذي يقبله الصحراويون سيكون مقبولاً بالنسبة إلى بلاده.

غير أن هذه الصياغة تكتسب أهمية خاصة في ضوء التحولات التي طرأت على الإطار الأممي للمفاوضات. فقد جعل القرار 2797 مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمباحثات، في وقت بات فيه المسار الذي يقوده المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، يبحث في ترتيبات سياسية وانتقالية أكثر تفصيلاً.

وهنا تبرز المفارقة: فالجزائر تكرر تمسكها بالموقف الذي تعتبره داعماً لحق تقرير المصير، لكنها في الوقت ذاته تؤكد احترام قرار دولي أعاد صياغة أرضية التفاوض. ولذلك فإن عبارة تبون بشأن قبول ما يقبله الصحراويون يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها محاولة للحفاظ على هامش سياسي يسمح للجزائر بالتكيف مع تطورات المسار الأممي دون الإعلان عن تغيير صريح في موقفها.

ولا يعني ذلك، في حد ذاته، أن الجزائر تبنت خيار الحكم الذاتي، لكن نبرة الخطاب تبدو مختلفة عن مرحلة كان فيها الرفض الجزائري أكثر مباشرة وحسماً.

من يتحمل مسؤولية القرار؟

أحد أبرز جوانب الحوار تمثل في النقاش حول طبيعة الأطراف المعنية بالنزاع. وخلال الحديث، أشار تبون إلى أن قرار مجلس الأمن حدد طرفين أساسيين، المغرب وبوليساريو، في حين أن القرار الأممي يشدد على أهمية انخراط الأطراف المعنية في العملية السياسية، بما فيها الجزائر وموريتانيا.

وتكتسب هذه المسألة أهمية تتجاوز الجدل الاصطلاحي، لأن تحديد موقع الجزائر في العملية السياسية كان دائماً أحد أكثر الملفات حساسية في الدبلوماسية المرتبطة بالنزاع.

فالجزائر تؤكد رسمياً أنها ليست طرفاً في النزاع، وإنما دولة مجاورة تدعم حق تقرير المصير. في المقابل، ينظر المسار الأممي إلى مشاركتها باعتبارها عنصراً ضرورياً في أي مفاوضات قادرة على إنتاج تسوية مستدامة.

وهذا التباين بين التوصيف السياسي والقانوني لموقع الجزائر يظل إحدى العقد الأساسية في مسار التفاوض.

الغاز: المنافسة التي تحضر حتى في غياب المغرب

لم يغب المغرب عن حديث تبون حتى عندما لم يكن اسمه حاضراً بصورة مباشرة. فقد تطرق الرئيس الجزائري إلى مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، في سياق يعكس المنافسة المتزايدة على موقع الجزائر ونيجيريا في سوق الغاز الإقليمي والدولي.

ويحمل هذا الملف بعداً استراتيجياً يتجاوز الطاقة. فمشروع خط الغاز النيجيري–المغربي، الذي يراهن على الربط بين غرب أفريقيا وأوروبا عبر المغرب، ينافس رؤية جزائرية تقوم على تعزيز موقع الجزائر كمنصة رئيسية لتصدير الغاز النيجيري نحو الأسواق الأوروبية.

وتحاول الجزائر، في المقابل، الحفاظ على حضورها في المشاريع الكبرى التي تربط موارد الطاقة الأفريقية بالأسواق الخارجية. لكن نجاح أي مشروع من هذه المشاريع لا يرتبط فقط بالقرار السياسي، بل أيضاً بكلفته وتمويله وأمن مساره وقدرته على المنافسة الاقتصادية.

النيجر: أمن الحدود أم رسالة سياسية؟

أما النيجر، فقد قدم تبون تفسيراً خاصاً للخطوات الجزائرية الأخيرة تجاه نيامي، ولا سيما بعد إرسال طائرات عسكرية في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة.

وربط الرئيس الجزائري توقيت الأحداث بزيارة الوزير الأول النيجري محمد الأمين زين إلى الجزائر، معتبراً أن وقوع الانقلاب في اليوم نفسه الذي اختتم فيه المسؤول النيجري زيارته شكل نوعاً من الاستفزاز للجزائر.

لكن هذا التفسير لا يجيب بالكامل عن السؤال الأوسع المتعلق بأسباب انخراط الجزائر بصورة أكثر مباشرة في التطورات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل.

فالجزائر لطالما اعتبرت حدودها الجنوبية جزءاً من مجالها الأمني الحيوي، إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وتراجع النفوذ الفرنسي وصعود أدوار روسية وتركية وإقليمية جديدة، جعلت هامش المناورة الجزائرية أكثر تعقيداً.

ومن ثم، فإن موقف الجزائر من النيجر لا يمكن فصله عن صراع أوسع حول النفوذ والحدود والطاقة ومسارات النقل الإقليمية.

القطيعة مع الإمارات: خطاب بلا تفاصيل

في ملف العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، اتسم جواب تبون بالغموض. فقد تحدث عن «استفزازات» و«تدخلات» من دون تقديم تفاصيل كافية حول الأسباب المباشرة التي دفعت إلى التصعيد الدبلوماسي.

كما عاد إلى التذكير بالدور الجزائري في مساعدة الاستثمارات الإماراتية الأولى في قطاع المحروقات، في إشارة بدت أقرب إلى استدعاء لحسابات الماضي منها إلى تقديم تفسير واضح للأزمة الحالية.

ويكشف هذا الملف عن صعوبة متزايدة في فهم شبكة التحالفات الجديدة في المنطقة، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن والطاقة والاستثمار والنفوذ السياسي بصورة لم تعد تسمح بتفسير الخلافات الثنائية من خلال عامل واحد.

مدريد: اختبار آخر للدبلوماسية الجزائرية

وفي المقابل، بدا ملف العلاقات مع إسبانيا أكثر حساسية بسبب الصمت الذي رافق تأجيل القمة الحكومية العليا بين البلدين، التي كان مقرراً عقدها في مدريد يومي 20 و21 أكتوبر.

وكانت العلاقات الجزائرية–الإسبانية قد شهدت خلال الفترة الأخيرة محاولة لإعادة بناء الثقة بعد أزمة دبلوماسية عميقة اندلعت على خلفية الموقف الإسباني من قضية الصحراء.

وكان من المفترض أن تشكل القمة محطة لإظهار عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي. غير أن تأجيلها إلى أجل غير مسمى يطرح تساؤلات حول مدى استقرار المصالحة بين البلدين، خصوصاً أن العلاقات بين الجزائر ومدريد ترتبط بملفات حساسة تشمل الغاز والهجرة والأمن والتجارة.

خطاب يتكيف مع المتغيرات

يكشف ظهور تبون، في نهاية المطاف، عن صعوبة إدارة ملفات خارجية متعددة في وقت واحد، من الصحراء إلى الساحل، ومن الطاقة إلى العلاقات مع القوى الإقليمية والأوروبية.

وفي ملف الصحراء تحديداً، تبرز العبارة التي اختارها الرئيس الجزائري بعناية: «لن نكون صحراويين أكثر من الصحراويين أنفسهم». فهي لا تمثل إعلاناً عن تحول في السياسة الجزائرية، لكنها تختلف في نبرتها عن خطاب المواجهة الصريح الذي طبع مواقف سابقة.

وقد تكون هذه المرونة اللفظية محاولة لترك مساحة للمناورة قبل محطة أكتوبر في مجلس الأمن، خصوصاً في ظل التطور الذي شهده المسار التفاوضي منذ اعتماد القرار 2797.

ويبقى السؤال الحقيقي ما إذا كانت الجزائر ستكتفي بالتكيف الخطابي مع التحولات الدولية، أم أنها ستذهب أبعد من ذلك نحو مراجعة حساباتها السياسية بشأن النزاع.

فالمرحلة المقبلة لن تختبر فقط قدرة المغرب وبوليساريو على التفاوض، بل ستختبر أيضاً قدرة الجزائر على تحديد موقعها في مسار جديد لم تعد فيه موازين النقاش الأممي هي نفسها التي كانت قبل سنوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com