الدبلوماسية المغربية في بلجيكا تحت المجهر: عقد من الزمن وأسئلة حول تدبير العلاقة مع مغاربة المهجر
بقلم: مجدي فاطمة الزهراء
لم تعد حصيلة الدبلوماسية المغربية في بلجيكا، خلال السنوات التي تولى فيها محمد عامر منصب سفير المملكة، بمنأى عن النقاش داخل أوساط من أفراد الجالية المغربية وفعاليات المجتمع المدني. فبين انتظارات المهاجرين في التمثيل المؤسساتي، والحاجة إلى توحيد المبادرات الداعمة للقضايا الوطنية، تبرز تساؤلات بشأن مدى نجاح المقاربة المعتمدة في تدبير العلاقة مع الجمعيات المغربية، وقدرتها على الحفاظ على جسور الثقة والتعاون بين مختلف مكونات الجالية.
لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في وجهات النظر حول الأنشطة الرسمية أو طبيعة العلاقات التي تربط السفارة ببعض الفاعلين الجمعويين، بل بنقاش أوسع حول وظيفة التمثيل الدبلوماسي في بلد يحتضن جالية مغربية ذات امتداد تاريخي واجتماعي واقتصادي مهم، وتنتظر من مؤسساتها الدبلوماسية أن تكون إطاراً جامعاً، لا طرفاً في خلافات الجمعيات أو توازناتها الداخلية.
من التعبئة الجماعية إلى تراجع روح المبادرة
من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها، ما يصفه عدد من الفاعلين بتراجع التعبئة الجماعية في المحطات المرتبطة بالدفاع عن القضية الوطنية. فبعد أن كانت بعض الوقفات والتجمعات التضامنية في بروكسل قادرة على استقطاب مئات المغاربة، يطرح اليوم سؤال جوهري حول أسباب تراجع الحضور الجماعي، ومدى تأثير الخلافات بين الجمعيات والفاعلين المدنيين في إضعاف القدرة على الحشد والتنظيم.
ويرى منتقدون أن العلاقات التي نسجتها السفارة مع بعض الجمعيات، مقابل ما يعتبرونه تهميشاً أو فتوراً في التعامل مع جمعيات أخرى، ساهمت في تكريس مناخ من التباعد داخل النسيج الجمعوي. كما تتردد انتقادات بشأن وجود توجيهات أو ممارسات تشجع بعض الهيئات على تجنب التعاون مع نظيراتها، وهي ادعاءات تستدعي التحقق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية قبل استخلاص أحكام نهائية.
ومهما كانت خلفيات هذه الخلافات، فإن النتيجة التي ينبغي أن تشغل المؤسسات المعنية هي تراجع الثقة بين بعض مكونات الجالية، وما قد يترتب عن ذلك من إضعاف للمبادرات المشتركة. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تحتاج إلى مجتمع مدني متنافس على القرب من المؤسسات، بقدر ما تحتاج إلى شبكة من الفاعلين القادرين على العمل المشترك، رغم اختلاف المرجعيات والاختيارات.
الحضور الرسمي ومعضلة تكافؤ الفرص
وتشمل الانتقادات المتداولة أيضاً طبيعة المشاركة في الحفلات والمناسبات الرسمية التي تنظمها السفارة المغربية في بروكسل. إذ يعبر بعض أفراد الجالية عن استيائهم مما يعتبرونه حضوراً متكرراً للأسماء والوجوه نفسها، في مقابل شعور فاعلين آخرين بأنهم خارج دائرة الاهتمام المؤسساتي.
وإذا كانت المؤسسات الدبلوماسية تحتفظ بحقها في تنظيم أنشطتها وفق اعتبارات البروتوكول وطبيعة المناسبة، فإن ذلك لا يعفيها من ضرورة اعتماد مقاربة منفتحة وشفافة في التواصل مع مختلف مكونات الجالية. فالمناسبات الوطنية ليست امتيازاً لفئة محددة، بل محطات رمزية يفترض أن تعكس وحدة الانتماء وتعدد الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج.
إن الإحساس بالإقصاء، حتى عندما يرتبط بتقديرات أو انطباعات شخصية، لا ينبغي الاستهانة به، خصوصاً عندما يتكرر في شهادات فاعلين مختلفين. فالدبلوماسية الناجحة لا تقاس فقط بمستوى تنظيم الاستقبالات الرسمية، وإنما كذلك بقدرتها على بناء الثقة وتوسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك.
مشاريع الجمعيات وشبهة استنساخ المبادرات
ومن الملفات التي تستدعي بدورها توضيحاً مؤسساتياً، ما يثيره بعض الفاعلين بشأن مشاريع ومقترحات يقولون إنهم عرضوها على السفارة، قبل أن يتم رفضها أو عدم التفاعل معها، ثم يفاجؤوا، بعد أشهر، بتنظيم أنشطة يعتقدون أنها تستند إلى الأفكار نفسها.
وتظل هذه المزاعم بحاجة إلى فحص دقيق من خلال مقارنة المشاريع الأصلية، وتواريخ إيداعها، والمراسلات المرتبطة بها، وطبيعة الأنشطة التي نُظمت لاحقاً. غير أن مجرد تداول مثل هذه الشكوك يكشف عن مشكلة في التواصل والشفافية، ويطرح تساؤلات بشأن الآليات المعتمدة في استقبال المبادرات المدنية وتقييمها، وحماية جهود أصحابها، وتوضيح أسباب القبول أو الرفض.
فإذا كانت الأفكار المقدمة لا تتناسب مع أولويات السفارة أو إمكاناتها، فإن الرد المعلل يظل أفضل من الصمت. وإذا تبنت المؤسسة لاحقاً فكرة سبق أن تقدم بها فاعل جمعوي، فإن توضيح مسار تطوير المشروع والإشارة إلى مساهمات أصحابه، متى ثبتت، من شأنه أن يحد من سوء الفهم ويعزز الثقة.
أما ترك هذه المسائل دون توضيح، فيفتح المجال أمام التأويلات ويعمق شعور بعض الفاعلين بأن المبادرة لا تكافأ بالضرورة، وأن القرب من المؤسسة قد يكون أكثر تأثيراً من جودة المشروع نفسه.
سفارة تنظم الاحتفالات أم مؤسسة تقود الدبلوماسية المجتمعية؟
لا يمكن إنكار أهمية الاحتفالات الوطنية والدينية في تعزيز الروابط بين المغاربة المقيمين بالخارج ووطنهم الأم. كما أن الأنشطة التي تنظمها الجمعيات الصديقة للمغرب قد تسهم في التعريف بالثقافة المغربية وتطوير العلاقات الإنسانية والثقافية مع المجتمع البلجيكي.
لكن الإشكال يبدأ عندما يطغى النشاط الاحتفالي، في نظر المنتقدين، على الوظائف الأوسع للعمل الدبلوماسي، أو عندما تصبح المناسبات الرسمية الواجهة الأكثر حضوراً في تقييم أداء المؤسسة. فالسفارة ليست مجرد فضاء لتنظيم الحفلات والاستقبالات، بل مؤسسة يفترض أن تضطلع بأدوار استراتيجية في الدفاع عن المصالح المغربية، وتنسيق الجهود الداعمة للقضايا الوطنية، وتشجيع المبادرات الثقافية والإعلامية والمدنية، وتطوير الشراكات مع المؤسسات البلجيكية.
ومن هذا المنطلق، فإن تكرار الأنشطة الاحتفالية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن يشكل وحده معياراً لنجاح العمل الدبلوماسي. فالمعيار الحقيقي يكمن في الأثر الذي تتركه المؤسسة داخل المجتمع الذي تعمل فيه، وفي قدرتها على توحيد الطاقات المغربية وتعبئتها، بدلاً من الاكتفاء باستدعاء دائرة محدودة من الفاعلين.
عشر سنوات من المسؤولية: سؤال الحصيلة والمساءلة
بعد سنوات طويلة من تولي محمد عامر مسؤولية السفارة المغربية في بلجيكا، يصبح من المشروع طرح سؤال الحصيلة، لا من باب الشخصنة أو تصفية الحسابات، وإنما من منطلق الحق في تقييم الأداء المؤسساتي ومقارنته بالأهداف المنتظرة من التمثيل الدبلوماسي.
هل نجحت السفارة في توسيع قاعدة الشراكة مع الجمعيات المغربية؟ وهل أسهمت في تعزيز وحدة الصف وتطوير أدوات التعبئة حول القضايا الوطنية؟ وما حجم المبادرات الثقافية والمدنية التي دعمتها، وما المعايير التي اعتمدتها في اختيار شركائها؟ ثم كيف يمكن تفسير شعور بعض الفاعلين بالتهميش، وما التدابير التي اتخذت لمعالجة الخلافات وإعادة بناء الثقة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تظل رهينة الانطباعات المتبادلة. فالتقييم الجاد يحتاج إلى معطيات موثقة، واستماع إلى الجمعيات بمختلف توجهاتها، وفحص طبيعة المشاريع التي تلقتها السفارة والأنشطة التي دعمتها، فضلاً عن قياس مدى انخراط الجالية في المبادرات الوطنية خلال السنوات الماضية.
كما أن من حق الرأي العام المغربي، ولا سيما أفراد الجالية في بلجيكا، أن يتساءل عن آليات تقييم أداء السفراء، وعن مدى ارتباط استمرار المسؤولية بتحقيق الأهداف الدبلوماسية وتعزيز المصالح الوطنية.
الرباط مطالبة بإعادة تقييم التجربة
إن معالجة هذه الانتقادات لا تقتضي إصدار أحكام مسبقة أو تبني رواية طرف واحد، بل تستدعي فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول أداء الدبلوماسية المغربية في بلجيكا. ويقتضي ذلك الاستماع إلى السفير والموظفين المعنيين، وإلى الجمعيات التي تعبر عن شعورها بالتهميش، فضلاً عن الفاعلين الذين تربطهم بالسفارة علاقات تعاون مستمرة.
وفي هذا السياق، تبدو مراجعة حصيلة المرحلة، على أساس معايير واضحة وموضوعية، خطوة ضرورية لتحديد مكامن القوة والاختلال، واتخاذ ما يلزم من قرارات لتعزيز الفعالية والانفتاح. فتغيير المسؤولين أو الإبقاء عليهم لا ينبغي أن يكون مسألة شخصية، بل قراراً مؤسساتياً يستند إلى تقييم النتائج ومدى الاستجابة لانتظارات المواطنين.
إن المغرب، الذي يراهن على جاليته بالخارج باعتبارها شريكاً في التنمية والدفاع عن المصالح الوطنية، يحتاج إلى دبلوماسية قادرة على احتضان التنوع، وتجاوز الحسابات الضيقة، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسة والفاعلين المدنيين. فالسفير لا يمثل نفسه، ولا فئة بعينها، بل يمثل المملكة ومؤسساتها ومصالحها العليا.
والسؤال الذي يظل مطروحاً أمام الجهات المسؤولة في الرباط ليس ما إذا كان محمد عامر قد أمضى سنوات طويلة في منصبه فحسب، بل ما إذا كانت حصيلة هذه المرحلة تستجيب فعلاً لطموحات المغرب وانتظارات جاليته في بلجيكا. فحين تتحول العلاقة بين المؤسسة ومحيطها إلى موضوع خلاف متكرر، يصبح التقييم ضرورة، وتغدو إعادة النظر في المقاربة المعتمدة مسؤولية مؤسساتية لا تحتمل التأجيل.
فالدبلوماسية التي تنجح في تنظيم الاحتفالات، لكنها تعجز عن إقناع مختلف مكونات الجالية بأنها ممثلة على قدم المساواة، تظل أمام اختبار حقيقي: الانتقال من تدبير المناسبات إلى بناء الثقة، ومن استقطاب الأفراد إلى توحيد الطاقات.