بين الدعاية والتصعيد الدبلوماسي: كيف تحولت اضطرابات فرنسا إلى ورقة في الخطاب الإعلامي الجزائري؟

مجدي فاطمة الزهراء

أثار مقال نشرته صحيفة «ألجيري باتريوتيك» في 20 أكتوبر جدلاً بشأن توظيف أحداث العنف التي شهدتها فرنسا في خطاب سياسي يربطها بالتوترات بين باريس والجزائر. ومن خلال تقديم أعمال التخريب باعتبارها شكلاً من أشكال الانتقام من فرنسا على خلفية حرائق غابات جيجل، يطرح هذا الخطاب أسئلة حول حدود المسؤولية الإعلامية، ومخاطر الخلط بين الجريمة والمواقف السياسية، وانعكاسات هذا التصعيد على الجزائريين والفرنسيين من أصول جزائرية.

لم تعد التوترات الفرنسية الجزائرية مقتصرة على الخلافات الدبلوماسية والتصريحات الرسمية، بل باتت تجد امتدادات متزايدة في الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحول الأحداث الأمنية والاجتماعية داخل فرنسا إلى مادة لإعادة إنتاج خطاب سياسي يتجاوز أحياناً حدود الوقائع المثبتة. وفي هذا السياق، برز مقال نشرته صحيفة «ألجيري باتريوتيك» صباح 20 أكتوبر تحت عنوان «حرائق جيجل الإجرامية المدبرة من باريس: انتقام الشباب الفرنسي الجزائري»، واضعاً أعمال الشغب التي شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر ضمن ما قدمه باعتباره رداً انتقامياً على الحرائق التي عرفتها منطقة جيجل شرقي الجزائر.

ويستدعي هذا الطرح قراءة نقدية، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات التي يتضمنها، بل أيضاً لما ينطوي عليه من محاولة لتفسير العنف الحضري من خلال سردية سياسية تربط بين أحداث متباعدة من دون تقديم أدلة مستقلة تثبت وجود علاقة سببية بينها.

من حرائق جيجل إلى اضطرابات فرنسا

استندت الصحيفة إلى رواية عرضها وثائقي صادر عن وزارة الدفاع الجزائرية في 17 أكتوبر، اتهم جهات فرنسية ومعارضين جزائريين في الخارج بالوقوف وراء حرائق الغابات التي شهدها شرق الجزائر أواخر غشت. وتضمنت هذه الرواية اتهامات للناشط المعارض أمير دي زاد، إلى جانب مزاعم بشأن وجود تنسيق مع جهات مرتبطة بوزارة الداخلية الفرنسية.

غير أن هذه الاتهامات، بصرف النظر عن الجهة التي تروج لها، لا تكفي وحدها لإثبات مسؤولية الأطراف المذكورة، كما لا تشكل أساساً موضوعياً لربط أحداث الشغب في فرنسا بعمليات انتقام منظمة. فإثبات مثل هذه الصلات يقتضي أدلة قضائية وتحقيقات مستقلة، لا مجرد تفسيرات سياسية أو إعلامية.

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن المقال لا يكتفي بنقل رواية تتعلق بحرائق جيجل، بل يوظفها لتقديم أعمال التخريب التي تستهدف مؤسسات وممتلكات عامة في فرنسا باعتبارها تطبيقاً لما يسميه «شريعة المعاملة بالمثل». وبهذا الانتقال، يتحول تفسير الأحداث إلى خطاب يمنح العنف غطاءً سياسياً، بدلاً من إخضاعه لمعايير المسؤولية القانونية والمحاسبة.

فالاحتجاج على سياسات دولة، أو الاعتراض على مواقفها الدبلوماسية، لا يبرر استهداف مؤسساتها أو الاعتداء على الممتلكات والأشخاص. كما أن تحميل مجموعة سكانية كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها يتعارض مع مبدأ المسؤولية الفردية، ويهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة اجتماعية أوسع.

إعلام تعبوي ومخاطر الوصم الجماعي

تتجاوز خطورة هذا الخطاب حدود الصحيفة التي نشرته، بالنظر إلى تداعياته المحتملة على الجالية الجزائرية في فرنسا، وعلى المواطنين الفرنسيين من أصول جزائرية الذين يعيشون حياتهم اليومية بعيداً عن أعمال الشغب والصراعات السياسية.

فعندما تُقدَّم أعمال العنف باعتبارها انتقاماً جماعياً من دولة ما، يصبح من السهل نقل المسؤولية من الأفراد المتورطين إلى جماعة بأكملها، بما يفتح المجال أمام خطاب مضاد يستثمر الواقعة لتغذية العداء للمهاجرين ومزدوجي الجنسية.

وتتجلى المفارقة في أن خطاباً يدعي الدفاع عن مصالح الجزائريين قد ينتهي إلى الإضرار بهم، من خلال تعزيز الصور النمطية التي توظفها بعض التيارات المتشددة في فرنسا لتشكيك الجاليات المهاجرة في انتمائها وولائها.

ومن الضروري، في هذا الإطار، التمييز بين النقد السياسي المشروع، والتغطية الإعلامية للأحداث الأمنية، وبين تبرير التخريب أو إسناد مسؤولية جماعية إلى أشخاص بسبب أصولهم أو جنسيتهم. فالمسؤولية الإعلامية تقتضي التحقق من الوقائع، والفصل بين الخبر والاستنتاج، وتجنب تحويل الأحداث الفردية إلى اتهامات جماعية.

خلفية سياسية تتجاوز حدود الإعلام

تأسست منصة «ألجيري باتريوتيك» بإشراف لطفي نزار، نجل وزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار، أحد أبرز الشخصيات العسكرية التي ارتبط اسمها بمرحلة التسعينيات في الجزائر.

وكان خالد نزار قد واجه إجراءات قضائية في سويسرا على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالفترة الممتدة بين عامي 1992 و1994. وأُحيل إلى المحاكمة في غشت 2023، قبل أن تنتهي الإجراءات بحقه عقب وفاته في 29 دجنبر من العام نفسه.

وتوفر هذه الخلفية سياقاً لفهم موقع المنصة في المشهد الإعلامي الجزائري، لكنها لا تكفي، في حد ذاتها، لإثبات أن كل ما تنشره يعكس توجيهات مباشرة من السلطة. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة محددة بشأن طبيعة العلاقة بين المنبر والجهات الرسمية، لا إلى الاكتفاء بهوية مؤسسه أو خلفيته العائلية.

ومع ذلك، فإن توظيف قضايا الأمن والعلاقات مع فرنسا في خطاب تعبوي يطرح تساؤلات مشروعة بشأن الدور الذي تؤديه بعض المنابر في تأجيج التوترات الثنائية، خصوصاً عندما تتعامل مع الاتهامات السياسية باعتبارها حقائق محسومة.

من قضية نائل إلى أزمة صناع المحتوى

لم يكن التفاعل الجزائري مع الأحداث الداخلية الفرنسية وليد التطورات الأخيرة. ففي 29 يونيو 2023، أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بياناً بشأن مقتل الشاب نائل في نانتير برصاص شرطي فرنسي، أعربت فيه عن اهتمامها بظروف الحادث، وأكدت انتماء الضحية إلى الجالية الجزائرية، داعية إلى ضمان الحماية اللازمة لأفرادها.

وجاء الموقف في سياق اضطرابات واسعة شهدتها فرنسا عقب مقتل الفتى، وهي أحداث أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن علاقة الشرطة بالمواطنين، والتمييز، والاندماج الاجتماعي، وحدود استخدام القوة. لكن القضية أثارت أيضاً تساؤلات بشأن كيفية توظيف الانتماء الوطني للضحايا في الخطاب الدبلوماسي، ومدى تأثير ذلك في تعقيد العلاقات بين البلدين.

وفي يناير 2025، انتقل جانب من التوتر إلى شبكات التواصل الاجتماعي، مع توقيف عدد من صناع المحتوى الجزائريين في فرنسا على خلفية مضامين اعتُبرت تحريضية أو تضمنت تهديدات. وقد عكست هذه القضايا اتساع تأثير المنصات الرقمية في النزاعات السياسية، وتحولها إلى فضاءات قد تتجاوز فيها التعبئة حدود التعبير المشروع.

وفي 24 فبراير 2025، قضت محكمة بريست بسجن الناشط المعروف باسم «زازو يوسف» لمدة 18 شهراً، مع منعه من دخول الأراضي الفرنسية عشر سنوات، وفق المعطيات الواردة بشأن القضية، وذلك على خلفية دعوات إلى حمل السلاح. كما أصدرت محكمة ليون حكماً بالسجن تسعة أشهر مع وقف التنفيذ بحق صوفيا بن لمان، بعد تهديدات وجهتها إلى معارضين للنظام الجزائري خلال بث مباشر.

وتبرز هذه الملفات ضرورة الفصل بين حرية التعبير، التي تشكل مبدأ أساسياً في الأنظمة الديمقراطية، وبين الدعوة إلى العنف أو التهديد المباشر، وهي أفعال تخضع للقانون بصرف النظر عن المواقف السياسية لأصحابها أو الجهات التي يتعاطفون معها.

قضية «دوالمن» وتعقيدات الترحيل

ومن بين الملفات التي زادت من حدة التوتر قضية صانع المحتوى المعروف باسم «دوالمن»، الذي أثار جدلاً في فرنسا بسبب مضامين نُسبت إليه ودعوات اعتُبرت تحريضية على العنف.

وبعد صدور قرار بترحيله في 9 يناير 2025، رفضت السلطات الجزائرية استقباله في مطار الجزائر، ليعود إلى فرنسا على متن الطائرة نفسها. وقد اعتبر وزير الداخلية الفرنسي، برونو روتايو، الخطوة محاولة لإحراج باريس سياسياً، في واقعة عكست مدى تداخل الإجراءات الإدارية والأمنية مع الخلافات الدبلوماسية بين البلدين.

وتوضح هذه القضية أن إدارة ملفات الترحيل لا تنفصل عن العلاقات الثنائية، لكنها تظل، من الناحية القانونية، خاضعة لإجراءات محددة والتزامات تقع على عاتق السلطات المعنية. أما تحويلها إلى مواجهة إعلامية متبادلة، فيزيد من تعقيد الملفات بدلاً من تسهيل معالجتها.

أمير دي زاد بين الاتهامات السياسية والتحقيقات القضائية

في المقابل، تكشف قضية الناشط المعارض أمير دي زاد عن الوجه الآخر للصراع. ففي أبريل 2024، تعرض، بحسب المعطيات المتعلقة بالقضية، للاختطاف والاحتجاز في ضواحي باريس، وفتح القضاء الفرنسي تحقيقاً شمل عدداً من المشتبه فيهم، بينهم موظف في القنصلية الجزائرية.

ويكتسب الملف أهمية إضافية في ضوء الاتهامات التي وجهتها المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى الناشط بشأن حرائق جيجل. غير أن ورود اسمه في هذه الرواية لا يثبت مسؤوليته عن الحرائق، مثلما أن التحقيق الفرنسي في واقعة اختطافه لا يتيح، بمفرده، استخلاص نتائج نهائية بشأن المسؤولية عن جميع الأفعال المنسوبة إلى المشتبه فيهم.

وتبقى القاعدة الأساسية في مثل هذه القضايا هي الاحتكام إلى التحقيقات والأدلة والأحكام القضائية، بعيداً عن تحويل الاتهامات إلى أدوات للتشهير أو تصفية الحسابات السياسية.

الجالية بين ضغوط الداخل وتجاذبات الخارج

تكشف هذه الوقائع عن مدى هشاشة موقع الجاليات المهاجرة عندما تتحول العلاقات بين دول المنشأ والإقامة إلى صراع مفتوح على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي. ففي مثل هذه الظروف، يجد المواطنون ذوو الأصول الأجنبية أنفسهم أمام معادلة صعبة: الحفاظ على حقهم في التعبير عن مواقفهم، من جهة، وتجنب تحميلهم مسؤولية سياسات حكومات أو أفعال أفراد لا تربطهم بهم أي صلة، من جهة أخرى.

ولا يمكن اختزال الجزائريين المقيمين في فرنسا، أو الفرنسيين من أصول جزائرية، في مواقف المنابر الإعلامية أو توجهات السلطات السياسية. فهذه الفئات تضم مواطنين وعائلات وطلبة وعمالاً ومهنيين، ترتبط مصالحهم اليومية بالاستقرار والأمن واحترام القانون، وليس بتأجيج الخلافات بين باريس والجزائر.

كما أن حماية هذه الجاليات من الوصم الجماعي لا تعني إعفاء الأفراد المتورطين في أعمال العنف من المساءلة، بل تعني تطبيق القانون على أساس المسؤولية الفردية، بعيداً عن الأصل العرقي أو الجنسية أو الموقف السياسي.

وفي المحصلة، لا تكمن خطورة الخطاب الذي يربط اضطرابات فرنسا بالانتقام من حرائق جيجل في مجرد حدة عباراته، بل في ما قد يترتب عليه من تطبيع مع تبرير العنف وتوسيع دائرة الاتهام لتشمل جماعات بأكملها. وبين التوتر الدبلوماسي والتعبئة الإعلامية، تبقى الحقيقة القانونية، وحق الجمهور في الحصول على معلومات موثوقة، وحماية المواطنين من التمييز، معايير لا ينبغي التضحية بها في سياق الصراع السياسي.

فالعلاقات بين الدول لا تُدار بتبرير التخريب، ولا تُحمى مصالح الجاليات بتحويلها إلى أدوات ضغط متبادل. وإنما يتطلب خفض التصعيد الفصل بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي، وبين الوقائع المثبتة والاتهامات السياسية، مع الاحتكام إلى القانون باعتباره المرجعية التي ينبغي أن تسري على الجميع دون استثناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com