فرنسا.. إدانات مغربية واسعة للاعتداء على القنصلية العامة للمغرب بأورلي ومطالب بترتيب المسؤوليات
ماريا الزاكي
أثار الاعتداء الذي استهدف مقر القنصلية العامة للمملكة المغربية بأورلي، قرب باريس، موجة من الإدانات في أوساط جمعيات مغربية بفرنسا وأوروبا. وبين المطالبة بمحاسبة المتورطين والتحذير من تصاعد الاستفزازات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيق الفرنسي وضمان حماية المؤسسات القنصلية والدبلوماسية.
أعاد الاعتداء الذي تعرض له مقر القنصلية العامة للمملكة المغربية بأورلي، ليلة الخميس-الجمعة، النقاش بشأن أمن التمثيليات القنصلية واحترام حرمتها فوق التراب الفرنسي، بعدما أقدم خمسة أشخاص، وفق ما أوردته القنصلية، على تخريب جدران المبنى وتشويهها، في واقعة أثارت استياء الأوساط الجمعوية المغربية.
وسارعت هيئات مغربية بفرنسا وأوروبا إلى إدانة الحادث، مطالبة بكشف ملابساته وتحديد المسؤوليات القانونية، ومشددة على أن حرية التعبير والتظاهر، المكفولة في الأنظمة الديمقراطية، لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للاعتداء على المؤسسات أو الممتلكات.
جمعيات مغربية بليون تدين الاعتداء
أدان تجمع الجمعيات الفرنسية المغربية بمدينة ليون، جنوب شرقي فرنسا، ما وصفه بالاعتداء الذي استهدف القنصلية المغربية بأورلي، معبراً عن رفضه الشديد لما اعتبره مساساً بحرمة مؤسسة قنصلية وبسلامة العاملين بها.
وأكد التجمع، في بيان توصلت به وسائل إعلام، أن أعمال التخريب تتعارض مع مبادئ التعايش السلمي واحترام المؤسسات وسيادة القانون، داعياً السلطات الفرنسية المختصة إلى فتح تحقيق شامل لتحديد هوية المسؤولين عن الواقعة وترتيب الآثار القانونية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته.
كما أعلن تضامنه مع القنصلية العامة وأطرها وموظفيها، محذراً من أن الاعتداءات التي تستهدف المؤسسات الدبلوماسية والقنصلية لا تمس المباني وحدها، بل تطال أيضاً القواعد المنظمة للعلاقات بين الدول.
وشدد التجمع على ضرورة التمييز بين الحق في التعبير عن المواقف السياسية وبين اللجوء إلى العنف والتخريب، داعياً مكونات المجتمع المدني إلى تغليب الحوار والوسائل السلمية، وتجنب كل ما من شأنه تأجيج التوترات داخل المجتمع الفرنسي.
جمعية أوروبية تدعو إلى المحاسبة وضبط النفس
من جهتها، عبرت جمعية المغاربة الأوفياء للولاء الملكي بالديار الأوروبية عن إدانتها الشديدة لما وصفته بالأفعال المرفوضة التي تمس بحرمة المؤسسات القنصلية المغربية وتتعارض مع القوانين والأعراف الدولية.
ودعت الجمعية إلى احترام القانون وترتيب المسؤوليات في حق كل من يثبت تورطه في أعمال التخريب، مشيدة بتفاعل السلطات الفرنسية مع الحادث، ومطالبة بمواصلة التحقيق للكشف عن جميع ملابساته.
كما وجهت نداءً إلى أفراد الجالية المغربية في أوروبا للتحلي باليقظة والمسؤولية، والتعبير عن مواقفهم بالوسائل القانونية والحضارية، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات. واعتبرت أن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة يظل مرتبطاً بالتمسك بالقانون والحوار المسؤول، بعيداً عن أي سلوك قد يضر بصورة الجالية أو يعرض أمنها للخطر.
القنصلية: توقيف ثلاثة من المشتبه في تورطهم
وفي بلاغ لها، أدانت القنصلية العامة للمملكة المغربية بأورلي أعمال التخريب التي طالت مقرها، معتبرة أن الواقعة تشكل مساساً خطيراً بتمثيلية مغربية فوق الأراضي الفرنسية، وتتعارض مع المبادئ المنظمة للعلاقات القنصلية على المستوى الدولي.
وأوضحت القنصلية أن خمسة أشخاص نفذوا أعمال التخريب، مشيرة إلى أن الحادث خلف استياءً واسعاً لدى أفراد الجالية المغربية المقيمة بفرنسا، الذين عبر عدد منهم عن رفضهم لهذه التصرفات وتشبثهم بوطنهم.
وفي المقابل، نوهت القنصلية بسرعة تدخل السلطات الفرنسية والمصالح الأمنية المختصة، مؤكدة أن التحرك الأمني أسفر عن توقيف ثلاثة من بين الأشخاص الخمسة الذين نسبت إليهم أعمال التخريب.
وأعربت عن ثقتها في التحقيق الجاري لتحديد هوية جميع المتورطين والكشف عن الظروف الدقيقة للواقعة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة. ويبقى الحسم في المسؤوليات الجنائية من اختصاص القضاء الفرنسي، بناءً على نتائج التحقيق والأدلة المتاحة.
قضية الصحراء في قلب التوتر السياسي
ولم يفصل بلاغ القنصلية بين الاعتداء والسياق السياسي الذي تشهده العلاقات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، إذ أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بمبادرات صادرة عن بعض المنتخبين المحليين في إقليم فال دو مارن، قالت إنها تسعى إلى إقحام الجماعات الترابية في مواقف مسيسة بشأن النزاع.
وربطت القنصلية هذا التطور بتداعيات اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797، الذي تعتبره الرباط دعماً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً لحل النزاع.
ودعت القنصلية المنتخبين المعنيين إلى التحلي بالاعتدال واحترام الوقائع الإنسانية والالتزامات الدولية لفرنسا، محذرة من أن المزايدات السياسية في الملفات الحساسة قد تسهم في تعميق الانقسامات وتوفير مناخ ملائم للاستفزازات.
غير أن الجدل بشأن مواقف المنتخبين المحليين يظل منفصلاً من الناحية القانونية عن واقعة التخريب؛ إذ ينبغي تقييم المواقف السياسية وفق القواعد التي تحكم حرية التعبير واختصاصات الجماعات الترابية، في حين يتعين التعامل مع أي اعتداء مادي من خلال التحقيق والإجراءات القضائية المختصة.
حماية المؤسسات مسؤولية قانونية
تضع هذه الواقعة السلطات الفرنسية أمام مسؤولية ضمان أمن المؤسسات القنصلية الموجودة على أراضيها، والتحقق من ملابسات الاعتداء، وتطبيق القانون على كل من تثبت مشاركته فيه. كما تعيد التأكيد على أهمية حماية المرافق الدبلوماسية والقنصلية من أعمال العنف، بصرف النظر عن طبيعة الخلافات السياسية التي قد تحيط بالدول التي تمثلها.
وفي الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى تجنيب أفراد الجالية المغربية تداعيات التجاذبات السياسية، وعدم تحويل الخلاف حول قضية الصحراء المغربية إلى مصدر للتوتر بين المواطنين أو إلى مبرر لاستهداف المؤسسات.
وبين الإدانات الجمعوية والتحرك الأمني، يظل المسار القضائي هو الفيصل في تحديد المسؤوليات. أما الرسالة الأساسية التي حملتها الهيئات المغربية المنددة بالحادث، فتتمثل في أن الدفاع عن المواقف الوطنية لا يتعارض مع احترام القانون، وأن التعبير السياسي، مهما بلغت حدته، لا يمنح أي طرف حق الاعتداء على المؤسسات أو تعريض سلامة الأشخاص للخطر.
وتبقى نتائج التحقيق الفرنسي، وما قد يسفر عنه من تحديد لهويات المتورطين واستكمال الإجراءات القضائية، العامل الحاسم في كشف حقيقة ما جرى وترتيب المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو توظيف الواقعة في تصعيد سياسي جديد.