سوق الزواج على تيك توك: حين يصبح الحبّ سلعة، واللايف دكّاناً، والفضيحة مشروعاً استثمارياً
بقلم: بوشعيب البازي
لم يعد الزواج في بعض زوايا تيك توك يحتاج إلى مأذون، ولا إلى تعارف عائلي، ولا حتى إلى قدر معقول من التفاهم بين شخصين. يكفي أن تفتح بثاً مباشراً، وتستدعي بعض المتابعين، وتعلن عن «عروس المستقبل» أو «عريس العمر»، ثم تترك عدّاد المشاهدات يتولى بقية مراسم الخطوبة. أما المهر، فقد يتخذ شكل هدايا افتراضية؛ وأما الشهود، فهم جمهور يتابع من خلف الشاشات؛ وأما وليمة العرس، فتتكفل بها أرباح اللايف، إن كانت سخية بما يكفي.
مرحباً بكم في النسخة الرقمية من سوق الزواج، حيث يمكن أن تبدأ قصة حب بإيموجي وردة، وتتطور إلى مزاد علني، وتنتهي بخلاف مباشر أمام آلاف المتفرجين. لم يعد السؤال دائماً: هل وجد فلان شريكة حياته؟ بل أصبح أحياناً: كم حقق البث من هدايا؟ وكم ارتفع عدد المشاهدين؟ وهل يستحق الجزء الثاني من الحكاية بثاً جديداً؟
في هذا المسرح الافتراضي، يبدو أن بعضهم اكتشف وصفة سحرية لتحويل المشاعر الإنسانية إلى محتوى قابل للتسويق. فالزواج، الذي يفترض أن يكون علاقة تقوم على الرضا والمسؤولية والاحترام، يتحول في بعض البثوث إلى فقرة ترفيهية، تتخللها عروض ووعود ومزايدات، بينما يجلس الجمهور في مقاعد المتفرجين، يراقب تفاصيل يفترض أنها من أكثر جوانب الحياة خصوصية.
من الخاطبة التقليدية إلى سمسار المشاهدات
كانت الخاطبة في زمن مضى تبحث عن التوافق بين العائلات، وتسأل عن الأخلاق والقدرة على تحمل المسؤولية، وتحاول تقريب المسافات بين شخصين يريدان بناء أسرة. أما بعض وسطاء الزواج الجدد، فقد اختصروا المهمة في تشغيل الكاميرا، ورفع الصوت، وتوزيع الأدوار على المشاركين، ثم انتظار الهدايا الرقمية.
لقد انتقلنا، على ما يبدو، من سؤال «هل يناسبها ويناسبها؟» إلى سؤال أكثر إلحاحاً في اقتصاد المنصات: «هل سيصنعان ترنداً؟».
وهنا تبدأ المفارقة الساخرة. فالمتدخل الذي يقدم نفسه بوصفه مصلحاً اجتماعياً قد يتحول إلى مدير إنتاج لحكاية عاطفية، يوزع الأدوار ويصنع التوتر ويعيد استدعاء الخلاف كلما خفتت المشاهدات. وإذا انتهى الخلاف بالصلح، فذلك محتوى جديد؛ وإذا انتهى بالقطيعة، فذلك محتوى أيضاً. وفي الحالتين، لا يخسر صاحب البث بالضرورة، لأن المشاعر، في هذا النموذج، هي المادة الخام، والجدل هو وسيلة التوزيع.
إنها عبقرية تجارية تستحق، من باب السخرية، أن تُدرّس في كلية الاقتصاد الرقمي: لا حاجة إلى مصنع، ولا إلى مخزون، ولا إلى تكاليف نقل؛ يكفي أن يتحول خلاف شخصي إلى مسلسل يومي، وأن يقتنع الجمهور بأن كل حلقة تستحق البقاء حتى النهاية.
حين يصبح صاحب اللايف خطيباً ووسيطاً ومدير صندوق
الأكثر إثارة للقلق ليس مجرد عرض الزواج أمام الجمهور، بل احتمال استغلال هذا العرض لتحقيق الأرباح، خصوصاً عندما يصبح صاحب البث طرفاً يوجّه المشاركين، ويؤجج الخصومات، ويضغط عليهم لكشف أسرارهم أو تفاصيلهم الخاصة، ثم يحصد ثمار الاهتمام الذي صنعه بنفسه.
في بعض هذه المشاهد، يطلّ الوسيط بوجه الناصح الأمين، ويتحدث عن الزواج والاستقرار والستر، ثم يدير الحوار بطريقة تجعل الحياة الخاصة مادة للفرجة. إنه يجمع، في صورة ساخرة، بين حكمة المستشار، وحماسة المخرج، ومهارة بائع المزادات، من دون أن ينسى أن يتفقد عدّاد التفاعل بين حين وآخر.
ولعل المفارقة الأشد أن بعض الخطابات التي ترفع شعار حماية الأخلاق قد تنتهي إلى تسليع الخصوصية نفسها. فبدلاً من مساعدة شخصين على التعارف في إطار يحفظ كرامتهما، يصبح كشف التفاصيل الشخصية وسيلة لجذب الانتباه، وتتحول الإحراجات والاتهامات المتبادلة إلى وقود لبث قد يدرّ عائداً مالياً على من يديره.
وهنا ينبغي التمييز بين الوساطة المشروعة، التي تقوم على الرضا والوضوح واحترام الخصوصية، وبين ممارسات قد تنطوي على الاستغلال أو الضغط أو الإهانة. فليس كل من جمع بين شخصين سمساراً، وليس كل بث عن الزواج انحرافاً أخلاقياً. لكن حين تصبح كرامة المشاركين ثمناً للمشاهدات، فإن المسألة تتجاوز حرية الترفيه إلى سؤال المسؤولية.
«القوادة الرقمية» أم تجارة على حافة الخط الأحمر؟
تستدعي بعض الممارسات في هذا المجال وصف «القوادة الرقمية» على سبيل النقد الاجتماعي، عندما يتحول صاحب البث من مجرد وسيط للتعارف إلى طرف يستثمر في استدراج الأشخاص، أو استغلال هشاشتهم العاطفية، أو دفعهم إلى سلوكيات مهينة بغرض تحقيق مكاسب.
لكن خطورة هذا الوصف تفرض الدقة: فالمصطلح ليس حكماً قانونياً جاهزاً، ولا يجوز إطلاقه على أشخاص بعينهم من دون وقائع وأدلة. إنما يصبح النقاش ضرورياً عندما تظهر مؤشرات على الضغط أو الابتزاز أو استغلال الصور الخاصة أو التحريض على ممارسات غير قانونية، أو عندما يُدفع المشاركون إلى كشف ما لا يرغبون في كشفه من أجل استمرار العرض.
أما إذا تحول البث إلى تشجيع على علاقات استغلالية، أو إلى توظيف الإيحاءات الجنسية والإهانات لجذب الهدايا، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالذوق وحده، بل بحدود المسؤولية الفردية، وبمدى احترام القوانين وحقوق الأشخاص.
والسخرية هنا لا تحتاج إلى اختراع كثير: يكفي أن نرى كيف يمكن لبعض من يقدمون أنفسهم بوصفهم حراس الفضيلة أن يكتشفوا، فجأة، أن الفضيلة نفسها تصلح عنواناً جذاباً للبث، وأن الحديث عن الأخلاق قد يصبح أكثر ربحية كلما ارتفع منسوب الفضائح.
اقتصاد الفضائح: الجمهور يدفع، والمنصة توزّع، والخصوصية تتحمل الفاتورة
في اقتصاد المنصات، لا تتحول المشاهدات تلقائياً إلى أرباح مضمونة، كما لا يحصل كل صاحب بث على دخل ثابت. لكن الهدايا الافتراضية، والاشتراكات أو برامج تحقيق الدخل المتاحة وفق شروط المنصة، والرعاية التجارية المحتملة، كلها قد تخلق حوافز لتكرار المحتوى الذي يستقطب الانتباه.
والمشكلة أن الانتباه لا يذهب دائماً إلى المحتوى الأكثر فائدة، بل قد ينجذب إلى الأكثر إثارة للجدل. فحين يكتشف صاحب البث أن الخصومة تجلب جمهوراً أكبر من الحوار الهادئ، وأن الاتهام يرفع التفاعل أكثر من النصيحة، فقد يجد نفسه أمام إغراء تحويل النزاع إلى سلعة متجددة.
وهكذا تصبح الحياة الخاصة مشروعاً مفتوحاً للتسويق: خلاف اليوم يمهد لمصالحة الغد، ودموع الليلة تضمن حلقة جديدة، ووعود الزواج تتحول إلى إعلان متكرر عن موسم عاطفي لا يعرف موعد نهايته. أما المتابع، فيدخل بدافع الفضول، ثم يشارك بتعليق أو هدية، من دون أن يسأل دائماً: من المستفيد الحقيقي من هذه الفرجة؟
وإذا كان بعض المشاركين يحققون مكاسب مادية أو معنوية من الظهور، فإن ذلك لا يلغي ضرورة حماية من يتعرضون للضغط أو التضليل أو الاستغلال. فالرضا الحقيقي لا يعني مجرد الظهور أمام الكاميرا، بل يشمل معرفة طبيعة المحتوى، وحدود نشره، والعواقب المحتملة لتداوله خارج سياقه.
المرأة ليست سلعة، والرجل ليس زبوناً، والزواج ليس مزاداً
من الضروري أيضاً ألا يتحول النقد إلى حملة تستهدف النساء وحدهن. فاختزال الظاهرة في اتهام النساء اللواتي يظهرن في بثوث الزواج يتجاهل أدوار الوسطاء الذين يديرون المشاهد، والجمهور الذي يغذيها، والمنظومة الرقمية التي تكافئ المحتوى المثير للانتباه.
فالمرأة التي تظهر على الشاشة ليست بالضرورة ضحية، كما أنها ليست بالضرورة مستغِلّة؛ والرجل الذي يبحث عن الزواج ليس بالضرورة ساذجاً أو زبوناً في سوق عاطفية. لكل حالة ظروفها، ولا يمكن إصدار الأحكام على النيات من خلال مقطع قصير أو بث مبتور.
لكن المبدأ الذي لا يحتاج إلى تفاوض هو أن كرامة الإنسان ليست هدية افتراضية، وأن الصور الخاصة ليست عملة للتبادل، وأن الرغبة في الزواج لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل للابتزاز أو التشهير أو الاستغلال المالي.
أما من يجعل من النساء والرجال أدوات في عرض تجاري، فلا ينبغي أن يختبئ خلف شعار «الحرية الشخصية» لتبرير كل ممارسة، كما لا ينبغي أن يتحول خطاب الأخلاق إلى ذريعة للتشهير بالنساء أو إذلالهن. النقد الجاد يستهدف السلوك الاستغلالي، لا جنس صاحبه.
عرس بلا عروس، وأرباح بلا ضمانات أخلاقية
المشكلة ليست أن الناس يبحثون عن الحب عبر الإنترنت؛ فالتكنولوجيا غيّرت طرق التعارف، وفتحت المجال أمام علاقات قد تنتهي بزواج ناجح. المشكلة تبدأ حين يصبح الزواج مجرد عنوان، وتتحول المشاعر إلى وسيلة لاستدرار الهدايا، ويغدو كشف الأسرار شرطاً لاستمرار البث، ويُدفع المشاركون إلى تجاوز حدودهم كي لا يغادر الجمهور.
في تلك اللحظة، لا نكون أمام خاطبة رقمية بقدر ما نكون أمام صناعة صغيرة للفرجة العاطفية، قد تختلط فيها الوساطة بالتجارة، والنصيحة بالاستعراض، والبحث عن شريك العمر بالبحث عن جمهور أكبر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المقام، بسخرية لا تحتاج إلى تجريح، هو أن بعض حفلات الزواج الافتراضية أصبحت تحتاج إلى محاسب أكثر مما تحتاج إلى مأذون، وإلى مدير بث أكثر مما تحتاج إلى مستشار أسري. فالعريس يسأل عن القبول، والعروس عن المستقبل، وصاحب اللايف عن عدد الهدايا؛ وكل واحد منهم، على ما يبدو، يحضر المناسبة نفسها، لكن بأهداف مختلفة تماماً.
أما الحب الحقيقي، فليس مضطراً إلى إثبات وجوده أمام آلاف المتابعين، ولا إلى دفع رسوم دخول إلى مسرح الفضائح. والزواج الذي يستحق أن يبدأ لا يحتاج إلى جمهور يصفق، بل إلى شخصين يعرفان لماذا اختارا بعضهما، وإلى علاقة لا تكون فيها الكرامة أول ضحايا المشاهدات.
فإذا كان لكل عصر خاطبته، فإن عصر المنصات منحنا أيضاً خاطبة قد ترتدي ثوب الناصح، وتمسك بميكروفون المخرج، وتراقب عدّاد الأرباح. ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجدية: هل نستخدم التكنولوجيا لتقريب الناس بعضهم من بعض، أم نستخدم حاجتهم إلى الحب كي نبيعهم تذاكر لمشاهدة حياتهم وهي تتحول إلى عرض مفتوح؟