الصحراء المغربية: الأمم المتحدة تختبر الانتقال من إدارة النزاع إلى مفاوضات الحل

بقلم: بوشعيب البازي

لم تعد الإشكالية الأساسية في مسار التسوية السياسية للنزاع حول الصحراء المغربية مقتصرة على إعادة تأكيد مواقف الأطراف أو تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة، بل باتت ترتبط بمدى الاستعداد لتحويل المرجعية السياسية التي أقرها مجلس الأمن إلى مفاوضات فعلية تتناول طبيعة الحل وترتيباته وضماناته. وفي هذا السياق، تكتسب الدعوة التي وجهها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، إلى إجراء مفاوضات منسقة وبحسن نية أهمية خاصة، بالنظر إلى تركيزها على استكشاف إمكانية إقامة حكم ذاتي حقيقي، وفق التوجه الذي حدده القرار 2797 لسنة 2025.

وخلال إحاطة مغلقة أمام مجلس الأمن، الخميس 8 أكتوبر، حث دي ميستورا جبهة البوليساريو على التفاعل مع المقترح المغربي للحكم الذاتي، من خلال تقديم تعديلات أو طلب توضيحات أو طرح مقترحات بناءة يمكن أن تسهم في بلورة تسوية تحظى باعتراف دولي. وأعرب عن أمله في أن تتمكن الجبهة، بمساعدة الأطراف المعنية، من اتخاذ هذه الخطوة قبل نهاية العام، مشدداً على أن إحراز تقدم يتطلب مرونة سياسية وشجاعة من جميع الأطراف، بما فيها المغرب.

وتعكس هذه الدعوة محاولة أممية لإعادة توجيه النقاش نحو مضمون الحل الممكن، عوض استمرار المفاوضات في دائرة المواقف المعلنة. فالمطلوب، وفق هذا المنظور، ليس مجرد التعبير عن القبول أو الرفض، وإنما الانتقال إلى مناقشة العناصر العملية التي يمكن أن تشكل أساساً لتسوية سياسية قابلة للتفاوض والتنفيذ.

القرار 2797 أمام اختبار التطبيق

تتجاوز أهمية إحاطة دي ميستورا السياق الإجرائي المرتبط بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، المقرر أن تنتهي في 31 أكتوبر الجاري، لتلامس سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بمستقبل العملية السياسية نفسها: هل أصبح ممكناً الانتقال من إدارة الخلاف إلى بناء مساحة تفاوضية تستند إلى مرجعية واضحة؟

في هذا الإطار، يرى الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية هشام معتضد أن أهمية المرحلة الراهنة تكمن في تحديد مدى قدرة القرار 2797 على إحداث تحول ملموس في دينامية التفاوض، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج المقاربات السابقة. وأوضح، في تصريح لصحيفة «العرب»، أن الاختبار لم يعد محصوراً في تمديد ولاية المينورسو أو تجديد الدعوات العامة إلى الحوار، بل يرتبط بإمكانية الانتقال إلى مناقشة عناصر الحل وترتيباته وضماناته.

ويعتبر معتضد أن الحكم الذاتي الحقيقي يمثل، في ضوء المرجعية الأممية الحالية، صيغة يمكن البناء عليها للوصول إلى تسوية سياسية نهائية ومتوافق عليها، مع مراعاة مقتضيات تقرير المصير. غير أن تحويل هذا التوجه إلى مسار تفاوضي فعلي يظل رهيناً باستعداد الأطراف لتقديم تصورات عملية، والتعامل مع المقترحات المطروحة باعتبارها موضوعاً للنقاش السياسي، لا مجرد مواقف متقابلة يصعب تجاوزها.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من تقريب المواقف إلى اختبار تفاصيل الحل يشكل تحولاً في طبيعة الوساطة الأممية. فبدلاً من الاكتفاء بتحديد نقاط الخلاف، يصبح الرهان هو معرفة ما إذا كانت هناك مساحة كافية للتفاوض بشأن الصلاحيات والترتيبات المؤسسية والضمانات التي يمكن أن تمنح أي تسوية مقبلة مقومات الاستمرار.

انعدام الثقة يواصل عرقلة المسار

على الرغم من التحركات الدبلوماسية، لا يزال انعدام الثقة بين الأطراف أحد أبرز العوائق أمام إحراز تقدم. وقد أقر دي ميستورا بأن استمرار هذا المناخ يحد من فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية، داعياً إلى اتخاذ مبادرات لبناء الثقة على المدى القصير، بالتوازي مع معالجة الإشكالات المرتبطة بالوضع الميداني.

وتكتسب هذه المسألة أهمية لأن أي مفاوضات لا يمكن أن تستند إلى المرجعيات السياسية وحدها، ما لم تتوافر ظروف تسمح باستمرار الحوار وتحد من احتمالات التصعيد. كما أن غياب الثقة قد يحول دون الانتقال من تبادل المواقف إلى مناقشة تنازلات متبادلة، وهي خطوة تظل ضرورية في أي عملية تسوية تتطلب التوفيق بين مصالح متعارضة.

وفي هذا السياق، التقى دي ميستورا، الجمعة 9 أكتوبر في نيويورك، المندوب الدائم لموريتانيا لدى الأمم المتحدة، شيخنا ولد الننّي، لبحث مستجدات الملف ومستقبل بعثة المينورسو. ويأتي اللقاء ضمن سلسلة اتصالات يجريها المبعوث الأممي في إطار متابعة التطورات التي أعقبت صدور القرار 2797، واستطلاع فرص استئناف المسار السياسي.

وتندرج هذه المشاورات ضمن جهود أوسع ترمي إلى تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات، في وقت يقترب فيه مجلس الأمن من اتخاذ قرار بشأن ولاية البعثة الأممية. غير أن تجديد الولاية، على أهميته في الحفاظ على الحضور الأممي، لا يشكل في حد ذاته ضمانة لإحراز تقدم سياسي ما لم يقترن بتحرك تفاوضي واضح.

تحركات دولية بحثاً عن مخرج سياسي

كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد دعا في تقريره الأخير الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية، تحت رعاية مبعوثه الشخصي، لاستكشاف إمكانية حكم ذاتي حقيقي لسكان الصحراء، بما يتماشى مع القرار 2797 لسنة 2025.

ويضع هذا التوجه مقترح الحكم الذاتي المغربي في صلب المسار التفاوضي، من دون أن يلغي الحاجة إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. وتكمن أهمية هذه الصيغة في أنها تنقل النقاش من مستوى المبادئ العامة إلى البحث في الإمكانات العملية لتسوية النزاع، مع ما يستلزمه ذلك من توضيحات ومقترحات وضمانات.

وعلى المستوى الدبلوماسي، استضافت الولايات المتحدة خلال الأشهر الأولى من عام 2026 جولات من المحادثات شملت واشنطن ومدريد، بمشاركة ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، إلى جانب مسؤولين أميركيين ودي ميستورا، وفق المعطيات الواردة بشأن هذه اللقاءات. وجاءت تلك التحركات في إطار مساعٍ دولية لتقريب وجهات النظر وإعادة إطلاق العملية السياسية.

كما أعلن مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والعربية، أن واشنطن تنتظر ردود جبهة البوليساريو بشأن خطة الحكم الذاتي المغربية، بما يسمح بالمضي قدماً في المفاوضات. ويعكس هذا الموقف رغبة أميركية في دفع الأطراف إلى تجاوز مرحلة الانتظار وتقديم مواقف أكثر تحديداً بشأن الخيارات المطروحة.

ومع ذلك، فإن تعدد المبادرات الدولية لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة. فنجاح الوساطة يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى التزامات تفاوضية، والاستعداد لمناقشة تفاصيل الحل بعيداً عن الحسابات التي أبقت النزاع رهين الجمود لسنوات طويلة.

تجديد المينورسو لا يكفي وحده

مع اقتراب موعد انتهاء ولاية المينورسو، يتجه الاهتمام إلى مضمون القرار المقبل لمجلس الأمن، وما إذا كان سيعزز الدعوة إلى استئناف المفاوضات وإبداء المرونة اللازمة لإحراز تقدم. لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بصياغة قرار جديد، بل بمدى انعكاسه على سلوك الأطراف واستعدادها للانخراط في مسار أكثر عملية.

فالمينورسو تضطلع بدور أممي في الصحراء، غير أن تجديد ولايتها لا يمكن أن يعوض غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية. كما أن الحفاظ على الإطار الأممي يظل وسيلة لدعم العملية السياسية، وليس غاية مستقلة عنها.

ويرى هشام معتضد أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الوساطة على الانتقال من دبلوماسية الحفاظ على استمرارية المسار إلى دبلوماسية البحث عن مخرج فعلي. ويعني ذلك، بحسب هذا التقدير، الانتقال إلى مناقشة العناصر المكونة للحل والضمانات المرتبطة به، بدل الاكتفاء بتقريب المواقف نظرياً.

وتبقى الفجوة بين المواقف المعلنة تحدياً قائماً، على الرغم من تكثيف الاتصالات خلال العام الجاري. ولذلك، فإن المؤشر الأهم على أي تقدم محتمل لن يكون عدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها، بل ظهور مقترحات محددة قابلة للنقاش، واستعداد الأطراف للتفاعل معها في إطار تفاوضي منظم.

في المحصلة، تقف العملية السياسية بشأن الصحراء أمام اختبار يتجاوز تجديد ولاية المينورسو إلى قياس قدرة المجتمع الدولي على تحويل المرجعيات الأممية إلى مسار تفاوضي منتج. وبين الدعوة إلى المرونة واستمرار انعدام الثقة، ستتحدد فرص المرحلة المقبلة وفق ما إذا كانت الأطراف ستختار الانتقال من إدارة الخلاف إلى البحث الجدي عن تسوية سياسية قابلة للاستمرار، أم ستظل المبادرات الدبلوماسية تدور في حلقة جديدة من الانتظار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com