قنصليات المغرب بأوروبا.. بين تحسن الخدمات ومعاناة الجالية مع المواعيد والاستقبال
بوشعيب البازي
لم يعد الحصول على موعد بالقنصليات المغربية في عدد من البلدان الأوروبية مجرد إجراء إداري عادي، بل أصبح، بالنسبة إلى بعض أفراد الجالية المغربية، خطوة محفوفة بالصعوبات، تبدأ بمحاولة الولوج إلى المنصة الإلكترونية ولا تنتهي دائماً بالحصول على الخدمة المطلوبة. وبين أعطاب تقنية متكررة، وفق شكاوى المرتفقين، وإشكالات الاستقبال داخل بعض المقرات القنصلية، تتجدد المطالب بمراجعة أساليب تدبير الخدمات الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج.
وتتمثل إحدى أبرز الصعوبات التي يتحدث عنها المرتفقون في تعذر استكمال عملية حجز المواعيد عبر الإنترنت. فبعضهم يشير إلى عدم اشتغال الموقع في أوقات معينة، فيما يواجه آخرون صعوبات أثناء إدخال المعلومات أو إنهاء إجراءات الحجز. وتؤدي هذه العراقيل، عندما تتكرر، إلى تأخير إنجاز الوثائق الإدارية وإرباك المواعيد المهنية والعائلية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يضطرون إلى التنقل لمسافات طويلة للوصول إلى مقر القنصلية.
ولا تتوقف الشكاوى عند حدود المنصة الإلكترونية، إذ يثير التعامل مع المواطنين عند مداخل بعض القنصليات تساؤلات بشأن حدود تدخل شركات الأمن الخاص وطبيعة المهام الموكولة إليها. ويقول عدد من المرتفقين إنهم يواجهون صعوبات في الولوج إلى المقرات القنصلية، حتى عندما يتعلق الأمر بطلب استفسار أو الحصول على توضيحات بشأن مسطرة إدارية.
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً عندما يُوجَّه المواطنون، بحسب إفادات متداولة، إلى مكاتب خاصة للمساعدة في حجز المواعيد، بدل تمكينهم من الحصول على المعلومات الضرورية من القنوات الرسمية. وهنا يبرز سؤال أساسي: أين تنتهي مهمة تنظيم الدخول وتأمين المقر، وأين تبدأ مسؤولية الإدارة القنصلية في استقبال المواطنين وتوجيههم؟
فحراس الأمن الخاص، مهما كانت طبيعة المهام المسندة إليهم، لا يمكن أن يشكلوا بديلاً عن الموظفين الإداريين المكلفين بإرشاد المرتفقين وتوضيح الإجراءات. كما أن توجيه المواطنين إلى جهات خارجية ينبغي أن يتم وفق ضوابط واضحة وشفافة، بما يضمن عدم استغلال حاجتهم إلى الخدمات القنصلية أو تحميلهم أعباء إضافية كان بالإمكان تفاديها عبر تحسين التواصل الإداري.
الأكثر إثارة للقلق هو أثر هذه التجارب على علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات القنصلية. فأبناء الجالية الذين وُلدوا ونشؤوا في أوروبا اعتادوا، في كثير من الأحيان، على أنماط إدارية تقوم على وضوح الإجراءات، وسهولة الوصول إلى المعلومات، واحترام المواعيد. وعندما يصطدمون بتجارب استقبال سلبية أو يجدون صعوبة في الحصول على أجوبة واضحة، قد تتراجع رغبتهم في التعامل مع القنصليات، حتى عندما تكون الوثائق أو الإجراءات المطلوبة ضرورية للحفاظ على ارتباطهم الإداري والقانوني ببلدهم الأصلي.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد انطباع عابر أو خلاف فردي بين موظف ومرتفق، بل بتحدٍّ يرتبط بكيفية بناء الثقة بين المؤسسات المغربية ومواطنين يعيشون خارج البلاد، ويظلون في حاجة إلى خدمات قنصلية تتناسب مع ظروف إقامتهم وانتظاراتهم. فاحترام المواطن داخل الإدارة ليس مسألة شكلية، وإنما جزء من جودة الخدمة العمومية وصورة المؤسسات التي تمثله في الخارج.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن مستوى الخدمات القنصلية ليس واحداً في جميع البلدان أو المقرات. فقد شهدت بعض القنصليات تحسناً في تنظيم الاستقبال وتدبير الملفات وتسهيل عدد من الإجراءات، وهو ما يستحق التثمين. غير أن هذه التطورات الإيجابية لا تلغي استمرار اختلالات في مقرات أخرى، ولا تعفي الجهات المسؤولة من تقييم أداء الخدمات بصورة منتظمة.
المطلوب اليوم ليس إطلاق أحكام عامة على جميع القنصليات أو موظفيها، وإنما تشخيص مكامن الخلل ومعالجتها وفق معايير واضحة: ضمان استقرار المنصات الإلكترونية، وتوفير قنوات بديلة عند تعطلها، ونشر معلومات دقيقة بشأن إجراءات حجز المواعيد، وتحديد صلاحيات الأمن الخاص، وتمكين المواطنين من الاستفسار داخل المقرات القنصلية دون عراقيل غير مبررة.
كما أن إحداث آليات فعالة لتلقي الشكاوى ومعالجتها، مع إخبار المرتفقين بمآلها، من شأنه أن يساعد على التمييز بين المشاكل التقنية العابرة والاختلالات الإدارية المتكررة. فالإدارة التي تصغي إلى ملاحظات مواطنيها وتستجيب لها تملك فرصة أكبر لتصحيح أخطائها وتعزيز الثقة في خدماتها.
في المحصلة، لا ينبغي أن يتحول الموعد القنصلي إلى مصدر للقلق أو أن يصبح الوصول إلى المعلومة امتيازاً يتوقف على الوساطة أو معرفة المساطر غير المعلنة. فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مجرد مرتفقين عابرين، بل مواطنون لهم حقوق إدارية وانتظارات مشروعة، ويشكل ارتباطهم بالمؤسسات الوطنية جزءاً من علاقتهم المستمرة ببلدهم.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في الخدمات داخل القنصليات التي لا تزال تواجه صعوبات لم تعد مسألة تحسين شكلي، بل ضرورة إدارية ومؤسساتية. فالرهان لا يقتصر على تسريع إنجاز الوثائق، وإنما يشمل ضمان استقبال يحفظ كرامة المواطن، وإدارة واضحة في إجراءاتها، وقنصليات تجعل خدمة الجالية مسؤولية يومية لا شعاراً موسمياً.