المغرب ينتزع المركز الرابع في جاذبية الاستثمار بأفريقيا.. الصناعة والصادرات تعززان موقعه
يوسف لفرج
تقدّم المغرب إلى المركز الرابع ضمن أكثر الوجهات الأفريقية جاذبية للاستثمار، متجاوزاً جنوب أفريقيا، وفق تصنيف 2026-2027 الصادر عن بنك «راند ميرشانت» (RMB) في تقريره السنوي «أين تستثمر في أفريقيا؟». ويعكس هذا التقدم التحولات التي شهدها الاقتصاد المغربي خلال السنوات الماضية، خصوصاً في مجالات التصنيع وتنويع الصادرات وتطوير البنية التحتية، وإن كان الحفاظ على هذا الموقع يظل مرتبطاً بقدرة المملكة على تحويل جاذبيتها الاستثمارية إلى نمو مستدام وفرص عمل منتجة.
وجاء المغرب خلف سيشل وموريشيوس ومصر، التي احتفظت بالمراكز الثلاثة الأولى للعام الثالث على التوالي، فيما تراجعت جنوب أفريقيا إلى المرتبة الخامسة بعدما كانت تحتل المركز الرابع في التصنيف السابق. وسجلت دول أفريقية أخرى تقدماً لافتاً، من بينها كوت ديفوار التي صعدت إلى المركز السابع، ونيجيريا التي تقدمت سبعة مراكز لتستقر في المرتبة الحادية عشرة.
الصناعة رافعة التنافسية المغربية
يبرز قطاع السيارات بوصفه أحد أبرز محركات التحول الصناعي في المغرب، بالنظر إلى قدرته على استقطاب الاستثمارات وتوسيع الصادرات وتعزيز اندماج المملكة في سلاسل الإنتاج الدولية.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، بلغ إنتاج المغرب 501,965 مركبة خلال عام 2025، بما يمثل 40.8% من إجمالي إنتاج السيارات في أفريقيا. كما سجلت صادرات المركبات ومكوناتها مستوى قياسياً بلغ 157.6 مليار درهم، أي ما يعادل 16.02 مليار دولار، خلال عام 2024، بزيادة قدرها 6.3% مقارنة بالعام السابق، ليصبح القطاع أكبر مصدر لعائدات التصدير في المملكة.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي بعض التحديات. فقد انخفض إنتاج المركبات بنسبة 11.5% في عام 2025 مقارنة بالمستوى القياسي المسجل في العام السابق، وهو تطور يستدعي قراءة دقيقة لأسباب التراجع ومدى ارتباطه بتقلبات الإنتاج والطلب الخارجي.
وتتجاوز أهمية القطاع حجم الصادرات المباشرة؛ إذ يتيح تطوير الصناعات المرتبطة بالسيارات فرصاً لتوسيع قاعدة الموردين المحليين، ونقل الخبرات التقنية، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. ويظل تعميق هذا الاندماج أحد الشروط الأساسية لضمان ألا تقتصر المكاسب على عمليات التجميع والتصدير.
مؤشرات اقتصادية تدعم الثقة
إلى جانب التصنيع، استفاد المغرب من مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تعزز صورته لدى المستثمرين. فقد نما الاقتصاد بنسبة 4.9% في عام 2025، مقابل 1.1% في جنوب أفريقيا، وفق البيانات التي يستند إليها التقرير.
وسجل التضخم في المغرب مستويات تقل عن 3% خلال الفترة الممتدة من عام 2024 إلى منتصف عام 2026، بينما بلغ متوسطه في جنوب أفريقيا نحو 5% خلال السنوات الخمس المنتهية في يونيو 2026. وتكتسب هذه الفوارق أهميتها من تأثير استقرار الأسعار في تكاليف الإنتاج والقدرة على التخطيط للاستثمارات طويلة الأجل.
وفي سبتمبر 2025، حصل المغرب على تصنيف ائتماني سيادي ضمن الدرجة الاستثمارية من وكالة «إس آند بي غلوبال»، في خطوة تعكس تقييم الوكالة للجدارة الائتمانية للمملكة وآفاقها الاقتصادية والتقدم المحرز في الإصلاحات.
ومع ذلك، لا تُختزل جاذبية أي اقتصاد في معدلات النمو والتضخم أو التصنيف الائتماني وحدها. فالمستثمر يضع في الحسبان أيضاً كلفة الطاقة والتمويل، وفعالية الإدارة، وتوافر الكفاءات، واستقرار القواعد التنظيمية، وسهولة الولوج إلى الأسواق.
جنوب أفريقيا.. اقتصاد أكبر وتحديات هيكلية
رغم تراجعها في التصنيف، لا تزال جنوب أفريقيا منافساً مهماً في القارة، بفضل تطور أسواقها المالية واتساع قاعدتها الاقتصادية واستمرار الإصلاحات، فضلاً عن التحسن المسجل في أمن الطاقة.
ويظل حجم اقتصادها أكبر من ضعف حجم الاقتصاد المغربي، إذ تجاوز ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي 400 مليار دولار في عام 2025. لكن هذا التفوق من حيث الحجم لا يضمن بالضرورة موقعاً أفضل في مؤشرات جاذبية الاستثمار.
ويشير تقرير «راند ميرشانت» إلى أن الاختلالات المزمنة في قطاع الكهرباء والصعوبات اللوجستية أثرت سلباً على تنافسية الصناعة والصادرات في جنوب أفريقيا. وتكشف المقارنة بين البلدين عن أهمية البنية التحتية وكفاءة سلاسل الإمداد في تحديد قدرة الاقتصادات على جذب رؤوس الأموال، حتى عندما تمتلك أسواقاً أوسع وموارد مالية أكبر.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن التحدي يتمثل في استثمار هذا التقدم النسبي لتعزيز قدراته الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الصناعات المصدرة، وتقوية الروابط بين الاستثمارات الكبرى والمقاولات المحلية.
الاستثمارات الأجنبية.. أرقام قياسية واختبار التنفيذ
تدعم تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصورة التي يرسمها التصنيف عن جاذبية المغرب. فقد بلغت هذه الاستثمارات 56.1 مليار درهم، أي نحو 5.7 مليارات دولار، خلال عام 2025، بزيادة قدرها 22% مقارنة بالمستوى القياسي السابق المسجل عام 2018، وفق الأرقام الحكومية المعلنة في أبريل.
وفي الشهر نفسه، وافقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 44 مشروعاً بقيمة إجمالية بلغت 86.36 مليار درهم، مع توقع توفير نحو 20,500 فرصة عمل، منها 9,000 وظيفة مباشرة و11,500 غير مباشرة.
وتوزعت المشاريع على 18 قطاعاً، من بينها صناعة السيارات والسياحة والطاقة المتجددة والبنية التحتية للمطارات والصناعات الغذائية والطيران والفضاء. واستحوذ قطاع السيارات على نحو 38% من فرص العمل المرتقبة، ما يؤكد استمرار وزنه في السياسة الصناعية للمملكة.
وفي يوليو، وافقت اللجنة على 29 اتفاقية استثمارية إضافية بقيمة تقارب 42 مليار درهم، يُتوقع أن تتيح نحو 9,800 فرصة عمل، منها 2,400 وظيفة مباشرة. وشملت هذه المشاريع 13 قطاعاً، من بينها البنية التحتية للموانئ والطيران والفضاء والخدمات اللوجستية والاتصالات والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة.
وتعكس هذه الأرقام اتساع محفظة المشاريع الاستثمارية وتنوع القطاعات المستهدفة. غير أن الموافقة على مشروع أو توقيع اتفاقية لا يعني بالضرورة دخول الاستثمار حيز التنفيذ فوراً، كما أن الوظائف المعلنة تظل توقعات ينبغي تقييمها وفق معدلات الإنجاز والتشغيل الفعلية.
ميثاق الاستثمار أمام رهان القيمة المضافة
خلال السنوات الثلاث الأولى من تطبيق ميثاق الاستثمار، الذي دخل حيز التنفيذ في مارس 2023، أعلنت الحكومة توقيع 391 اتفاقية استثمارية بقيمة إجمالية بلغت 520 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 52.87 مليار دولار.
ويهدف الميثاق إلى تحفيز الاستثمار الخاص وتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل في مختلف مناطق المملكة. لكن نجاح هذه السياسة لن يقاس بحجم الالتزامات المالية وحده، بل بمدى تنفيذ المشاريع، وتوزيعها الجغرافي، وقدرتها على خلق وظائف مستقرة، وتعزيز الإنتاج المحلي، ونقل التكنولوجيا والخبرات.
كما تظل مسألة استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الاستثمارات الكبرى عاملاً حاسماً في تحديد الأثر الاقتصادي لهذه المشاريع. فكلما اتسعت مشاركة الموردين المحليين، زادت قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة، بدلاً من الاكتفاء بالعائدات المرتبطة بالتصدير أو الإنفاق الاستثماري الأولي.
صعود مستحق.. لكن المنافسة مستمرة
يمنح تقدم المغرب إلى المركز الرابع في تصنيف «أين تستثمر في أفريقيا؟» مؤشراً إيجابياً على تطور موقعه التنافسي، خصوصاً في الصناعة والتصدير والبنية التحتية. كما تعزز أرقام الاستثمار الأجنبي والمشاريع المعتمدة صورة اقتصاد يسعى إلى تنويع مصادر نموه وتوسيع قاعدته الإنتاجية.
لكن المنافسة الأفريقية لا تتوقف عند ترتيب سنوي. فالحفاظ على جاذبية المملكة يتطلب معالجة تكاليف الإنتاج، وتوسيع فرص التشغيل، وتحسين إنتاجية الاقتصاد، وضمان توزيع أكثر اتساعاً للمكاسب الاستثمارية بين القطاعات والمناطق.
وبين المؤشرات القياسية والتحديات الهيكلية، يبقى الاختبار الأهم هو قدرة المغرب على تحويل تدفق رؤوس الأموال إلى صناعة أكثر اندماجاً، وصادرات أعلى قيمة، وفرص عمل مستدامة. عندها فقط يصبح التقدم في التصنيفات انعكاساً لتحول اقتصادي عميق، لا مجرد تحسن في صورة البلاد لدى المستثمرين.