تعثر مجلس الأمن في تجديد ولاية المينورسو يفتح مرحلة جديدة في نزاع الصحراء المغربية

مجدي فاطمة الزهراء

مواجهة أميركية روسية تنتهي بسقوط مشروعي القرار.. والرباط تقرأ التطور باعتباره نهاية لمرحلة من تدبير النزاع، وتمهيداً لإعادة صياغة إطاره السياسي والأممي

دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة عقب إخفاق مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروعي القرار الأميركي والروسي بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، في تطور غير مسبوق انتهى من دون التوصل إلى صيغة لتمديد ولايتها أو تحديد ترتيبات انتقالية تضمن استمرار مهامها، بعد 35 عاماً على تأسيسها.

ولم يكن هذا التعثر مجرد خلاف تقني حول صياغة قرار أممي، بل عكس اتساع الهوة بين واشنطن وموسكو بشأن طبيعة التسوية السياسية الممكنة، وحدود الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة. فقد استخدمت روسيا حق النقض لإسقاط المشروع الأميركي، قبل أن يفشل مشروعها البديل في الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده، رغم عدم استخدام الولايات المتحدة الفيتو ضده.

وحصل المشروع الأميركي على تأييد 11 عضواً، مقابل معارضة روسيا وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. أما المشروع الروسي، فلم ينل سوى ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض وامتناع 11 عضواً، لتنتهي الجلسة من دون قرار جديد بشأن مستقبل البعثة.

الرباط تعتبر عدم التمديد نهاية لمرحلة أممية

في أول رد رسمي على التطور، منح بلاغ الديوان الملكي المغربي للواقعة أبعاداً سياسية تتجاوز حدود التعثر داخل مجلس الأمن، معتبراً أن عدم تمديد ولاية المينورسو يشكل خطوة ذات دلالة كبيرة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

وقدم البلاغ قراءة نقدية للبعثة، باعتبارها نتاجاً لسياق سياسي تجاوزته التطورات، وأداة ساهمت، بحسب الموقف المغربي، في إبقاء النزاع ضمن إطار التدويل طوال عقود. كما اعتبر أن وجودها في الأقاليم الجنوبية، بطواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، في إشارة إلى إغلاق صفحة امتدت منذ سنة 1991.

وربط الديوان الملكي هذا التحول بتخليد عيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس، في رسالة سياسية توحي بانتقال الرباط من مقاربة تدبير النزاع ضمن آليات تقليدية إلى محاولة إعادة تحديد شروط التعامل معه.

ولم يقف الموقف المغربي عند مستقبل البعثة، بل امتد إلى المطالبة بإنهاء إحالة ملف الصحراء على مجلس الأمن وسحبه من جدول أعماله، بما يضع موضع تساؤل استمرار الاجتماعات الدورية والتقارير التي يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة، فضلاً عن الإحاطات المرتبطة بمهمة المبعوث الشخصي.

كما أشار البلاغ إلى توجه المغرب نحو اتخاذ خطوات مماثلة داخل هيئات أممية أخرى، وهو ما يعكس رغبة واضحة في إعادة النظر في الإطار المؤسساتي الذي ظل يؤطر النزاع منذ ثلاثة عقود ونصف.

بوشعيب البازي : التحول يتجاوز البعد الإجرائي

وفي قراءته لهذه التطورات، يرى الكاتب الصحفي بوشعيب البازي أن بلاغ الديوان الملكي لا ينبغي فهمه باعتباره رداً على إخفاق إجرائي داخل مجلس الأمن فحسب، بل باعتباره تعبيراً عن تحول في الرؤية المغربية لمستقبل تدبير قضية الصحراء.

وأوضح البازي، في تصريح له، أن الموقف المغربي ينطلق من اعتبار أن المرحلة التي حكمت الملف طوال 35 عاماً استنفدت جزءاً كبيراً من وظيفتها السياسية، وأن الاستمرار في استخدام الأدوات نفسها لم يعد منسجماً مع التحولات التي شهدتها مواقف عدد من القوى الدولية وموازين الدعم الدبلوماسي.

وأضاف أن الرباط تعاملت مع نتائج المواجهة الأميركية الروسية من زاوية مصالحها الوطنية، بعيداً عن منطق الانحياز إلى أحد الطرفين، لافتاً إلى أن التشديد على مواصلة الدينامية الثنائية والإقليمية يعكس توجهاً نحو الحفاظ على المبادرة السياسية خارج دائرة التجاذبات التي باتت تطبع النقاش داخل مجلس الأمن.

وبحسب البازي، فإن أهمية البلاغ تكمن في نقله مركز الاهتمام من مسألة تجديد ولاية البعثة إلى سؤال أكثر عمقاً: هل ما زال الإطار الذي أنشئ قبل 35 عاماً قادراً على إنتاج تسوية سياسية، أم أن التطورات تستدعي إعادة النظر في أدوات إدارة الملف برمته؟

المشروع الأميركي يصطدم بالاعتراض الروسي

لفهم خلفيات هذا التعثر، لا بد من التوقف عند مضمون المشروع الأميركي الذي كان يستهدف إدخال تعديلات جوهرية على المقاربة الأممية، وليس الاكتفاء بتجديد ولاية المينورسو وفق الصيغة المعمول بها.

فقد اقترحت واشنطن تمديد مهمة البعثة عاماً إضافياً، مع تغيير اسمها بحذف الإشارة إلى الاستفتاء، ومراجعة هيكلها وعدد أفرادها واختصاصاتها، بما يتلاءم مع التحولات التي عرفها المسار السياسي.

كما جعل المشروع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع، معتبراً أن الحكم الذاتي الحقيقي في إطار السيادة المغربية يمثل الخيار الأكثر قابلية للتطبيق. وتضمن أيضاً مقتضيات تتعلق بتسجيل سكان مخيمات تندوف، وإعادة تقييم بعض الوظائف التي ارتبطت بعمل البعثة منذ تأسيسها.

غير أن موسكو اعترضت على هذه الصيغة، معتبرة أنها تتضمن انحيازاً مسبقاً إلى موقف أحد أطراف النزاع، وتضع نتائج المفاوضات السياسية في إطار محدد قبل انطلاقها. وتمسكت روسيا بالحفاظ على المرجعية الأممية القائمة واستمرار دور المينورسو إلى حين التوصل إلى تسوية مقبولة من الأطراف المعنية.

وبعد إسقاط المشروع الأميركي، تقدمت موسكو بنص بديل اقتصر على تمديد ولاية البعثة لعام واحد، من دون المساس باسمها أو اختصاصاتها. لكن المقترح لم يتمكن من حشد الحد الأدنى من الأصوات المطلوبة، ما كشف بدوره محدودية قدرة روسيا على بناء توافق داخل المجلس حول رؤيتها لمستقبل المينورسو.

خلاف دولي يضع البعثة أمام مصير غير محسوم

وأظهرت الجلسة حجم الانقسام داخل مجلس الأمن، خصوصاً بعدما انتقلت المواجهة من الاختلاف حول مضمون المشروع الأميركي إلى العجز عن تمرير المقترح الروسي أيضاً.

وفي هذا السياق، وجهت فرنسا انتقادات إلى موسكو، محملة إياها مسؤولية تعطيل المسار الذي كان يفترض أن يفضي إلى تجديد ولاية البعثة، بعدما أسقط الفيتو الروسي المشروع الأميركي، من دون أن يتمكن المقترح البديل من الحصول على الدعم الكافي.

والنتيجة أن مجلس الأمن وجد نفسه أمام تعثر مزدوج، لم يفض إلى تسوية توافقية بشأن استمرار البعثة أو إعادة هيكلتها. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة من الغموض القانوني والسياسي بشأن مستقبل حضورها، في انتظار ما قد تقرره الأمم المتحدة بشأن ترتيبات انتهاء المهمة والتعامل مع الوضع الميداني.

ما بعد المينورسو.. اختبار الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته

ويرى بوشعيب البازي أن الرسالة الأساسية التي يحملها الموقف المغربي تتمثل في أن نهاية مرحلة سياسية لا تقاس فقط بانتهاء إحدى أدواتها المؤسساتية، وإنما بمدى القدرة على بلورة تصور واضح للمرحلة التي تليها.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان المغربي، وفق هذه القراءة، لا يتعلق بمجرد إنهاء وجود بعثة أممية، بل بإعادة توجيه النقاش الدولي نحو الأسس السياسية التي تعتبرها الرباط مدخلاً لتسوية النزاع، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

لكن الانتقال إلى هذا التصور يظل مرتبطاً بمدى قدرة المغرب على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مسار سياسي يحظى بدعم دولي واسع، خصوصاً أن تعثر مجلس الأمن لا يعني تلقائياً انتهاء الخلاف بين الأطراف، ولا يحسم وحده مستقبل الملف داخل المنظومة الأممية.

وفي هذا السياق، شدد بلاغ الديوان الملكي على تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، وصون سلامة أراضيه وأمنه الوطني وضمان طمأنينة مواطنيه. وهي إشارة تعكس حرص الرباط على الفصل بين مراجعة الإطار السياسي والأممي للنزاع وبين الالتزامات المرتبطة بالاستقرار الميداني.

ويعتبر البازي أن هذا التأكيد يحمل دلالة استراتيجية، لأنه يضع الأمن والاستقرار ضمن الثوابت التي لا ينبغي أن تتأثر بأي تحول في آليات تدبير الملف. فمرحلة ما بعد المينورسو، إذا تأكدت ترتيبات إنهاء مهمتها، لن تكون مجرد انتقال إداري، بل ستطرح أسئلة عملية حول مراقبة الوضع الميداني، وضمان استمرار التهدئة، وتفادي أي فراغ قد تستغله الأطراف المعنية لتغيير الوقائع على الأرض.

وبذلك، لا يقتصر الاختبار المقبل على مصير المينورسو، بل يمتد إلى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على التعامل مع واقع دبلوماسي جديد. فبين الرؤية المغربية التي تعتبر أن مرحلة إدارة النزاع بصيغتها القديمة قد استنفدت أغراضها، والتحفظ الروسي على تغيير المرجعية الأممية، يجد مجلس الأمن نفسه أمام معادلة لم يعد تجديد ولاية بعثة أممية كافياً لحلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com