الصحراء المغربية.. حين يتحول الفيتو الروسي إلى اختبار لعزلة الجزائرالدبلوماسية
بوشعيب البازي
لم يكن استخدام روسيا حق النقض داخل مجلس الأمن الدولي، في 30 أكتوبر 2026، ضد مشروع القرار الأميركي بشأن الصحراء المغربية مجرد خلاف إجرائي حول صياغة قرار أممي. فقد كشف التصويت عن تباين متزايد في مقاربة القوى الدولية لمستقبل النزاع، وعن صعوبة استمرار بعض المواقف الدبلوماسية في تجاهل التحولات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة.
فموسكو، التي اختارت تعطيل المشروع الأميركي، وجدت نفسها أمام معادلة لم تكن في صالحها بالضرورة. إذ إن الاعتراض على صيغة القرار لم يغير موازين الدعم الدولي للمقترح المغربي للحكم الذاتي، كما لم يقدم بديلاً سياسياً واضحاً قادراً على إخراج الملف من دائرة الانتظار. وبذلك، بدا الفيتو أقرب إلى محاولة إبطاء مسار آخذ في التغير منه إلى امتلاك تصور واقعي لتسوية النزاع.
الرباط ترد برسالة سياسية واضحة
لم يتأخر الرد المغربي على الموقف الروسي. فبعد انتهاء جلسة مجلس الأمن، صدر بيان عن الديوان الملكي حمل قراءة سياسية للتطورات، وربطها بالتحول الذي يشهده التعاطي المغربي مع قضية الصحراء، خصوصاً في أعقاب اعتماد القرار الأممي 2797 في أكتوبر 2025.
وأكد البيان أن عدم تمديد ولاية بعثة المينورسو يمثل تطوراً مهماً في مسار الملف، معتبراً أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما شدد على ضرورة إنهاء مهمة البعثة في الأقاليم الجنوبية، واعتبر أن استمرار الآليات الأممية بصيغتها السابقة لم يعد منسجماً مع التحولات التي عرفتها القضية. وذهب البيان إلى طرح مراجعة أوسع لدور مجلس الأمن في متابعة الملف، بما في ذلك الاجتماعات الدورية والتقارير المرتبطة به.
وتعكس هذه اللغة رغبة الرباط في تثبيت مرحلة سياسية جديدة، عنوانها عدم السماح باستمرار إدارة النزاع وفق الآليات نفسها التي ظلت قائمة منذ عقود، مع جعل الحكم الذاتي الإطار المركزي لأي تسوية مقبلة.
من القرار 2797 إلى حسابات موسكو
تكمن إحدى أبرز مفارقات الموقف الروسي في أن موسكو لم تعارض القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، واختارت حينها الامتناع عن التصويت. لكن موقفها تغير بعد عام، عندما استخدمت الفيتو ضد المشروع الأميركي الذي سعى إلى ترجمة التحول السياسي إلى تعديلات في طبيعة عمل المينورسو.
هذا التباين يطرح تساؤلات حول دوافع السياسة الروسية في المنطقة. فخلال الفترة الفاصلة بين القرارين، لم يحدث تحول جوهري يعيد النزاع إلى نقطة البداية، بل شهد المقترح المغربي استمراراً في استقطاب التأييد الدبلوماسي، بالتوازي مع تزايد النقاش الدولي بشأن ضرورة إيجاد مخرج سياسي واقعي.
وكان المشروع الأميركي يتضمن مراجعة لمهام البعثة الأممية، وتقليص مكونها العسكري، إلى جانب إزالة الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها، مع الدفع نحو جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات. أما موسكو، فاعتبرت أن هذه التعديلات تقترب من حسم قضايا سياسية قبل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المعنية.
غير أن الاعتراض على المشروع لا يجيب عن السؤال الأهم: ما البديل الذي تقترحه روسيا لإنهاء نزاع استمر نحو نصف قرن؟ فالإبقاء على الصيغة السابقة للبعثة لا يشكل، في حد ذاته، استراتيجية للتسوية، ولا يضمن تحقيق تقدم في مسار سياسي ظل يعاني من التعثر.
حسابات الحرب الباردة في منطقة تغيرت
لا يمكن فهم الموقف الروسي بمعزل عن الخلفية التاريخية للنزاع، وعن طبيعة التحالفات التي تشكلت في شمال إفريقيا خلال الحرب الباردة. فقد ارتبطت قضية الصحراء، منذ نشأتها، بتنافس إقليمي ودولي تجاوز حدود الخلاف حول مستقبل الإقليم، ليتحول إلى جزء من معادلات النفوذ في المنطقة المغاربية والساحل.
وكانت الجزائر من أبرز الأطراف الداعمة لجبهة البوليساريو، فيما ظل المغرب يعتبر النزاع مسألة تتصل بوحدته الترابية وسيادته الوطنية. وفي هذا السياق، لم تكن مواقف بعض القوى الدولية بعيدة عن حسابات التوازنات الاستراتيجية والعسكرية التي حكمت المنطقة لعقود.
لكن المشهد الدولي لم يعد كما كان عليه خلال ثمانينيات القرن الماضي. فالمغرب عزز شراكاته الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع عدد من القوى الدولية، ووسع حضوره في إفريقيا، بينما أصبحت المقاربة الدولية للنزاعات أكثر ارتباطاً بمفاهيم الاستقرار والواقعية السياسية وإمكانات تنفيذ الحلول المقترحة.
ومن هذه الزاوية، يبدو أن الرهان على استمرار مواقف تعود إلى مرحلة الحرب الباردة لا ينسجم بالضرورة مع المصالح الروسية نفسها، خصوصاً أن الرباط لا تقدم نفسها باعتبارها طرفاً مغلقاً أمام الشراكات الدولية، بل دولة تسعى إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية.
الانتخابات في الأقاليم الجنوبية.. مؤشر سياسي
وفي سياق الاستدلال على ارتباط سكان الأقاليم الجنوبية بالمؤسسات المغربية، تبرز نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 23 سبتمبر 2026. فقد سجلت الأقاليم الجنوبية نسب مشاركة مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني، وبلغت النسبة في مدينة العيون، وفق المعطيات الواردة في التقرير، نحو 77 في المئة، مقابل قرابة 38 في المئة على المستوى الوطني.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية سياسية بالنظر إلى المشاركة الواسعة لسكان المنطقة في المؤسسات الانتخابية الوطنية. غير أن التعامل معها يقتضي التمييز بين الدلالة السياسية للمشاركة الانتخابية وبين الاستفتاء القانوني على السيادة، إذ لا يمكن اعتبار الانتخابات التشريعية بديلاً قانونياً عن آليات تقرير المصير التي تناولتها المرجعيات الأممية السابقة.
ومع ذلك، فإن استمرار مشاركة سكان الأقاليم الجنوبية في الاستحقاقات الوطنية، وانخراطهم في المؤسسات المنتخبة، يمثلان عنصرين مهمين في النقاش المتعلق بتمثيل السكان ومستقبل المنطقة، ويعززان حجة المغرب بشأن قابلية تنزيل مشروع الحكم الذاتي في إطار مؤسساتي.
تندوف.. الجانب الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي
وفي مقابل الجدل الدبلوماسي داخل مجلس الأمن، تظل الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف إحدى القضايا التي تستدعي اهتماماً دولياً أكبر. فمعاناة السكان، ومستقبل الأجيال الشابة، والاتهامات المتعلقة بالتجنيد القسري للأطفال، كلها ملفات ينبغي ألا تختفي خلف الحسابات السياسية للأطراف المتنازعة.
وإذا كانت موسكو تؤكد تمسكها بالمرجعيات الأممية ومبادئ تقرير المصير، فإن من المشروع التساؤل عن حجم مساهمتها في معالجة الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات، ودعم حماية السكان، وضمان عدم استغلال الفئات القاصرة في أنشطة عسكرية أو سياسية.
فالمقاربة التي تضع مصالح السكان في صدارة الأولويات لا يمكن أن تكتفي بالدفاع عن نصوص القرارات الأممية، بل يتعين أن تشمل أيضاً ضمان الحقوق الأساسية، وتحسين ظروف العيش، وتهيئة الشروط التي تسمح بإنهاء حالة الانتظار الممتدة منذ عقود.
المغرب وروسيا.. فرصة لإعادة تقييم العلاقة
لا يعني الخلاف داخل مجلس الأمن أن العلاقات المغربية الروسية محكومة بالقطيعة، فالمغرب ظل حريصاً على تنويع شراكاته الدولية، بما فيها علاقاته مع موسكو. غير أن استمرار الاختلاف حول قضية الصحراء يفرض على الجانب الروسي مراجعة حساباته، خصوصاً في ضوء التحولات التي طرأت على الموقف الدولي من النزاع.
ويمتلك البلدان إمكانات لتطوير التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والفلاحة، فضلاً عن موقع المغرب الاستراتيجي كبوابة نحو الأسواق الإفريقية والأطلسية. وهي مجالات يمكن أن توفر أرضية لعلاقات أكثر توازناً، بعيداً عن توظيف الخلافات السياسية في تعطيل فرص التعاون.
وتقدم التجارب الدولية، بما فيها التجربة الروسية في ملفات أخرى، دليلاً على محدودية قدرة الفيتو على فرض تسوية سياسية أو ضمان استمرار نظام سياسي معين. فحق النقض يمنح صاحبه سلطة تعطيل قرار، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على تحديد مستقبل النزاعات أو التحكم في اتجاهاتها.
في النهاية، قد تكون الرسالة الأهم من مواجهة 30 أكتوبر أن ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة تختلف في معطياتها الدولية عن المراحل السابقة. فالرباط تراهن على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساساً للتسوية، فيما تواجه موسكو تحدي التوفيق بين حساباتها الجيوسياسية ومصالحها في علاقاتها مع دولة مغاربية تتمتع بموقع استراتيجي متنامٍ.
أما استمرار استعمال الفيتو من دون تقديم بديل سياسي قابل للتنفيذ، فلن يؤدي بالضرورة إلى تغيير الوقائع، بقدر ما قد يضعف قدرة موسكو على التأثير في مسار باتت معالمه تتشكل خارج الحسابات التقليدية للحرب الباردة.