جوائز على المقاس وصور على المنصات… حين يصبح تكريم مغاربة العالم صناعةً للوجاهة الاجتماعية

بقلم: نجاة الودغيري

Screenshot

في بعض الأوساط الجمعوية المغربية ببلجيكا، يبدو أن الحصول على درع تكريمي أصبح أيسر من تقديم حصيلة عمل جمعوي حقيقي. يكفي أحياناً تنظيم حفل، وحشد بعض الوجوه المعروفة، وتوزيع شهادات التقدير، ثم التقاط صور مع شخصيات سياسية أو مؤسساتية، حتى يتحول الحدث، في الخطاب المرافق له، إلى مناسبة للاحتفاء بـ«طاقات مغاربة العالم» و«رموز الجالية» و«نماذج النجاح».

لكن السؤال الذي يبدو أن منظمي هذه الاحتفالات لا يفضلون الإجابة عنه هو: من منحهم سلطة تحديد من يمثل مغاربة العالم، ومن يستحق أن يُقدَّم باعتباره إحدى كفاءاتهم؟

فالجالية المغربية ليست هيئة انتخابية تمنح تفويضاً لبعض الجمعيات، ولا جمهوراً يصادق تلقائياً على الألقاب التي يوزعها منظمو الحفلات. ومع ذلك، يتصرف بعض الفاعلين وكأنهم يمتلكون حق التحدث باسم ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، وتوزيع صكوك الاعتراف والتميز وفق معايير لا يعرفها أحد سوى أصحاب الدعوات.

التكريم أم إعادة تدوير الصور؟

المشكلة ليست في مبدأ التكريم، بل في المعايير التي تحكمه. فمن الطبيعي أن يُحتفى بمن قدم خدمات ملموسة في مجالات الثقافة والتربية والتضامن والعمل الإنساني، لكن الأمر يثير الاستغراب عندما تُمنح الأوسمة والشهادات لأسماء لا يعرف الجمهور طبيعة إسهاماتها، أو تثير مسارات بعضها تساؤلات تستحق التوضيح.

بل إن المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عندما يُقدَّم بعض الأشخاص باعتبارهم طاقات استثنائية من مغاربة العالم، بينما تظل جوانب من ماضيهم ومساراتهم المهنية والاجتماعية بعيدة عن أي نقاش جدي.

وفي بعض الحالات، تتداول الأوساط المعنية معلومات بشأن سوابق أو ملفات قضائية مثيرة للجدل. وهي مسائل لا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة أو وسيلة للتشهير، لكنها تفرض على الجهات المنظمة قدراً أكبر من التدقيق والشفافية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقديم شخص ما باعتباره نموذجاً عاماً يُحتذى به.

لسنا أمام دعوة إلى إغلاق أبواب المجتمع في وجه من أخطأ، ولا إلى مصادرة حق أي إنسان في إعادة بناء حياته. فإعادة الإدماج قيمة إنسانية وقانونية لا جدال فيها. لكن إعادة الإدماج شيء، ومنح ألقاب رمزية توحي بالاستحقاق والتميز شيء آخر.

فليس كل من طوى صفحة من ماضيه أصبح بالضرورة شخصية مرجعية، وليس كل من اعتلى منصة التكريم تحول إلى نموذج للعطاء.

ويبدو أن بعض حفلات التكريم اكتشفت معادلة مريحة: لا حاجة إلى حصيلة موثقة ما دامت هناك منصة، ولا ضرورة إلى معايير معلنة ما دامت هناك شهادات مطبوعة، ولا حاجة إلى إثبات المكانة ما دامت الصورة الجماعية قادرة على أداء المهمة.

حين تتحول الصورة مع السياسي إلى شهادة حسن سيرة

الأكثر إثارة للانتباه هو حضور شخصيات سياسية بلجيكية ومغربية، من أصول مغربية أو من المشهد السياسي المحلي، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات مغربية، في بعض هذه المناسبات.

ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق السياسيين في التواصل مع الجمعيات أو دعم المبادرات المدنية، بل بضرورة إدراك الأثر الذي يمكن أن يتركه حضورهم في مثل هذه الفضاءات.

فالصورة التي تجمع مسؤولاً سياسياً بشخصية جرى تكريمها قد تتحول، بعد نشرها وتداولها، إلى أداة لبناء وجاهة اجتماعية، وربما إلى إيهام الجمهور بأن التكريم يحظى باعتراف سياسي أو مؤسساتي، حتى عندما لا يكون الأمر كذلك.

وهنا تبرز مسؤولية الضيوف قبل المنظمين. فالمسؤول السياسي ليس قطعة ديكور بروتوكولية، وصفته العامة ليست إكسسواراً يضاف إلى خلفية الحفل. ومن حقه أن يعرف طبيعة الجهة التي تستضيفه، والرسالة التي يريد المنظمون تمريرها من خلال حضوره.

أما الاعتقاد بأن كل دعوة جمعوية تستحق القبول لمجرد أنها تحمل العلم المغربي أو تتضمن عبارات عن الوطنية وخدمة الجالية، فهو تبسيط لا يليق بالمسؤولية السياسية.

طاقات تعمل في صمت… وأخرى تتصدر المنصات

في المقابل، تزخر بلجيكا بكفاءات مغربية وجمعيات جادة، وبنساء ورجال أمضوا سنوات في خدمة أبناء الجالية، ومواكبة الأسر، وتأطير الشباب، والعمل الثقافي والتربوي والإنساني.

هؤلاء لا يحتاج بعضهم إلى تقديم بطاقات تعريف مطولة لإثبات مساهماتهم؛ فآثار عملهم موجودة في المؤسسات والمبادرات والمشاريع التي ساهموا في إنجازها.

لكن المفارقة أن أصحاب العمل المتواصل لا يحظون دائماً بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الشخصيات الأكثر حضوراً في المناسبات والصور والمنصات.

وهكذا قد يجد من قضى سنوات في خدمة الناس نفسه خارج دائرة التكريم، بينما يجد آخرون طريقهم إلى الأضواء عبر شبكة العلاقات والدعوات المتبادلة.

إنها مفارقة تستحق النقاش: هل أصبح الاعتراف الاجتماعي مكافأة على العمل، أم نتيجة للقدرة على تنظيم المناسبات والحصول على الصور المناسبة؟

وإذا كان العمل الجمعوي قد تحول في بعض الحالات إلى سباق على الألقاب والصفات، فمن الطبيعي أن تتراجع قيمة التطوع أمام إغراء الظهور، وأن يصبح الدرع أحياناً أهم من المشروع الذي يفترض أن يمثله.

اسم المغرب ليس ملكية خاصة

ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق باستخدام اسم المغرب والجالية المغربية في تقديم بعض الأنشطة والمبادرات.

فاسم المملكة ليس علامة تجارية تمنح أصحابها سلطة معنوية، واسم مغاربة العالم ليس تفويضاً مفتوحاً لمن يريد توظيفه في بناء مكانة شخصية أو جمعوية.

الجالية المغربية في بلجيكا، بتعدد أجيالها وكفاءاتها ومواقفها، أكبر من أن تختزل في مجموعة من الجمعيات أو في لائحة من الأسماء التي تتكرر في حفلات التكريم.

ومن حق أفرادها أن يعرفوا من يتحدث باسمهم، وبأي تفويض، وعلى أي أساس تُمنح الألقاب التي توحي بأن أصحابها يمثلون صوت الجالية أو نخبتها.

كما أن المؤسسات المغربية والبعثات الدبلوماسية مطالبة بالتمييز بين دعم العمل الجمعوي الجاد وبين منح الشرعية المعنوية لممارسات لا تستند إلى معايير واضحة.

فلا ينبغي أن يتحول الحضور البروتوكولي إلى بديل عن التقييم، ولا أن يصبح التقاط الصور مع المسؤولين وسيلة لاكتساب مكانة لم تثبتها حصيلة العمل.

من يراقب سوق الألقاب؟

لا نحتاج إلى هيئة جديدة لتوزيع شهادات النزاهة، ولا إلى محاكمات شعبية تُنصب فوق منصات الاحتفالات. ما نحتاج إليه هو ثقافة مؤسساتية بسيطة: إعلان معايير التكريم، وتوضيح أسباب الاختيار، وتقديم حصيلة المساهمات التي تبرر الاحتفاء بكل شخصية.

ومن المفيد أيضاً أن تتوقف الجمعيات عن استعمال عبارات من قبيل «ممثل الجالية» و«صوت مغاربة العالم» و«طاقات الجالية» دون سند انتخابي أو مؤسساتي واضح.

فمنح الألقاب سهل، أما اكتساب ثقة الناس فيحتاج إلى سنوات من العمل والالتزام.

وفي النهاية، يمكن اختزال الإشكال في ثلاثة أسئلة ينبغي أن تسبق كل حفل تكريم:

من نكرّم؟ وما الإنجاز الملموس الذي يبرر هذا الاختيار؟ وهل يحق للجهة المنظمة تقديم الشخص المكرَّم باعتباره نموذجاً لمغاربة العالم؟

قد تكون الإجابة عن هذه الأسئلة كافية لتغيير الكثير من الممارسات.

أما إذا كانت بعض الجهات ترى أن الدرع يكفي لإثبات القيمة، وأن الصورة مع سياسي تعادل شهادة في النزاهة، وأن التصفيق يغني عن كشف حصيلة العمل، فربما حان الوقت لإعادة النظر في مفهوم التكريم نفسه.

فليس كل من اعتلى المنصة أصبح رمزاً، وليس كل من حمل لقباً أصبح ممثلاً للجالية. وفي مجتمع يحترم الاستحقاق، لا تُصنع المكانة بعدسة الكاميرا، بل بما يتركه الإنسان من أثر خارج إطارها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com