بلجيكا: حين يتحوّل العمل الجمعوي من رسالة مدنية إلى “اقتصاد ظلّ” مموَّه
تضخّم جمعوي أم طفرة مواطِنة؟
في المشهد البلجيكي، تبدو كثافة الجمعيات، خصوصاً داخل أوساط الجاليات، وكأنها مؤشر صحي على حيوية المجتمع المدني. غير أن قراءة أكثر تدقيقاً تكشف مفارقة لافتة: هذا التضخم لا يعكس بالضرورة اتساع دائرة الفعل التضامني، بقدر ما يطرح سؤالاً بنيوياً حول تحوّل العمل الجمعوي إلى أداة للتموقع المالي والرمزي. فبين النص القانوني الذي يعرّف الجمعية ككيان غير ربحي، والممارسة اليومية، تتسع فجوة تقترب أحياناً من حدود “اقتصاد موازٍ” مغلّف بلغة العمل المدني
منطق المنح بدل منطق الأثر
نظرياً، تستفيد الجمعيات من دعم البلديات والجهات العمومية لتعزيز الاندماج الاجتماعي، ومواكبة الفئات الهشة كالمهاجرين غير النظاميين، والنساء في وضعية هشاشة، والأطفال المعرضين للمخاطر. عملياً، يبدو أن جزءاً مهماً من هذا النسيج الجمعوي أعاد توجيه بوصلته نحو “اقتصاد المنح”، حيث تتحول المشاريع إلى مجرد واجهات إدارية لتبرير التمويل، بدل أن تكون استجابة لحاجات اجتماعية حقيقية. وهنا، لا يعود السؤال: ماذا تحقق الجمعية؟ بل: كم استطاعت أن تحصّل من دعم؟
جمعيات بلا قضية… ولكن بمهام مربحة
الأكثر إثارة للسخرية، بل للقلق، هو تنوع “التخصصات” الجمعوية التي خرجت عن المألوف: من جمعيات تُدار كامتدادات لتجمعات دينية أو مساجد، إلى أخرى تُعنى بفنون “الدقة المراكشية” وإحياء الأعراس، وصولاً إلى كيانات تُسوّق لأنشطة التدليك والحجامة تحت غطاء العمل المدني. وفي حالات أخرى، يصبح تأسيس جمعية أقصر طريق لاكتساب صفة “صحفي” أو “مدير نشر”، دون تكوين أو مساءلة، في مشهد يُفرغ مفاهيم الإعلام والمجتمع المدني من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد ألقاب قابلة للاقتناء الإداري.
التباس الشرعية: بين القانون والواقع
هذا التوسع يطرح إشكالية مزدوجة: من جهة، هناك تساهل إداري في منح الاعتمادات والدعم، ومن جهة أخرى، ضعف في آليات التتبع والتقييم. فالعديد من الجمعيات تشتغل في هامش رمادي، تستفيد من التمويل العمومي دون أن تخضع لمساءلة حقيقية حول الأثر الاجتماعي لأنشطتها. وبهذا المعنى، يتحول العمل الجمعوي من فضاء للمواطنة الفاعلة إلى حقل لإعادة توزيع الريع بشكل غير مباشر.
قيادة نسائية: تمكين أم واجهة؟
لا يمكن إغفال معطى لافت يتمثل في كون نسبة مهمة من هذه الجمعيات ترأسها نساء. ظاهرياً، قد يُقرأ هذا كنجاح لسياسات تمكين المرأة. لكن في العمق، يطرح الأمر تساؤلات أكثر تعقيداً: هل نحن أمام قيادة نسائية حقيقية تُمارس القرار وتُنتج الأثر؟ أم أن بعض هذه الواجهات تُستثمر لأغراض إدارية وتمويلية، في سياق يُعيد إنتاج أنماط تقليدية من التحكم غير المرئي؟ السؤال هنا ليس في “من يترأس؟” بل في “من يقرّر؟ ومن يُحاسَب؟”.
نحو إعادة تعريف العمل الجمعوي
إن استمرار هذا الوضع يهدد بتقويض الثقة في العمل الجمعوي كرافعة للاندماج والتضامن. المطلوب اليوم ليس تقليص عدد الجمعيات، بل إعادة ضبط معايير الشرعية والنجاعة: ربط الدعم بالأثر، تعزيز آليات المراقبة، وتأهيل الفاعلين الجمعويين تكوينياً وأخلاقياً. فالمجتمع المدني، في جوهره، ليس مجرد سجل إداري يُفتح في البلدية، بل التزام أخلاقي ومسؤولية اجتماعية. وما لم يُستعد هذا المعنى، سيظل “العمل الجمعوي” فطر التحول إلى نشاط ريعي… بوجه إنساني.
:::