من الرباط إلى بروكسل: حين تعبر القضايا الحقوقية الحدود
شهد محيط البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، تنظيم وقفة احتجاجية دعت إليها “التنسيقية الأوروبية لحقوق الإنسان بالمغرب”، رفعت شعار “خروقات حقوق الإنسان بالمغرب”، بمشاركة فاعلين حقوقيين، وبرلمانيين أوروبيين، إلى جانب شخصيات بارزة من المجتمع المدني المغربي، من ضمنهم الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي، فضلاً عن ممثلين عما يُعرف بـ”جيل Z”.
تندرج هذه الوقفة ضمن سياق متزايد من تدويل النقاش الحقوقي المرتبط بالمغرب، حيث باتت الساحة الأوروبية فضاءً موازياً لطرح قضايا داخلية ذات طابع سياسي وحقوقي. وقد رفع المشاركون جملة من المطالب، في مقدمتها الإفراج الفوري عن معتقلي الرأي، وعلى رأسهم معتقلو “حراك الريف”، إضافة إلى نشطاء ومدونين ينتمون إلى ما يُصنّف ضمن “جيل Z”، الذين يعتبرهم المنظمون ضحايا تضييق ممنهج على حرية التعبير
.
ديناميات الفعل الحقوقي العابر للحدود
تعكس هذه الوقفة تحولاً نوعياً في أنماط الترافع الحقوقي، حيث لم يعد مقتصراً على الفضاء الوطني، بل أصبح يستثمر شبكات الضغط الدولية، خصوصاً داخل المؤسسات الأوروبية. ويُفهم هذا التوجه في إطار ما يسميه بعض الباحثين بـ”العولمة الحقوقية”، التي تتيح للفاعلين المحليين نقل قضاياهم إلى مستويات دولية بغرض التأثير على صناع القرار.
غير أن هذا التدويل يثير، في المقابل، تساؤلات حول حدود التداخل بين الحقوقي والسياسي، خاصة عندما تنخرط أطراف أوروبية رسمية، مثل برلمانيين، في هذه الأنشطة، ما قد يُفسَّر من قبل بعض الفاعلين المغاربة باعتباره شكلاً من أشكال الضغط السياسي أو حتى التدخل في الشؤون الداخلية.
الخطاب الحقوقي بين الشرعية والمساءلة
ركزت الشعارات المرفوعة خلال الوقفة على اتهام السلطات المغربية بمواصلة الاعتقالات ذات الخلفية السياسية، وتوظيف القضاء كآلية للانتقام من النشطاء والمعارضين. وهي اتهامات تندرج ضمن خطاب حقوقي نقدي يتكرر في تقارير عدد من المنظمات الدولية.
في المقابل، تؤكد الرواية الرسمية المغربية، في مناسبات متعددة، استقلالية السلطة القضائية، ورفض توصيف المتابعات القضائية بأنها ذات طابع سياسي، معتبرة أن الأمر يتعلق بقضايا جنائية تخضع للمساطر القانونية المعمول بها.
هذا التباين بين الروايتين يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بتأويل مفهوم “معتقل الرأي”، وحدود حرية التعبير في السياقات الوطنية، خاصة في ظل تداخل ما هو سياسي بما هو قانوني.
حضور “جيل Z”: تعبير عن تحولات الفعل الاحتجاجي
من اللافت في هذه الوقفة مشاركة ممثلين عن “جيل Z”، وهو ما يعكس تحولات في بنية الفاعلين الاحتجاجيين، حيث برز جيل جديد من النشطاء يعتمد بشكل كبير على الفضاء الرقمي كمنصة للتعبير . ويطرح هذا الحضور أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الدولة وهذه الفئة، التي تتسم بمرونة تنظيمية عالية وخطاب نقدي مباشر.
كما يعكس هذا الانخراط جيلاً أقل ارتباطاً بالأطر التقليدية للعمل السياسي أو النقابي، وأكثر ميلاً إلى أشكال احتجاجية عابرة للحدود، وهو ما يفسر حضوره في فضاءات أوروبية بدل الاقتصار على الساحة الوطنية.
في هذا السياق، يصبح البرلمان الأوروبي فضاءً رمزياً لإعادة طرح هذه القضايا، لكنه في الوقت ذاته يظل ساحة تتقاطع فيها الاعتبارات الحقوقية مع الحسابات الجيوسياسية، خاصة في ظل العلاقات المعقدة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.