واشنطن تعيد تموضعها في ملف الصحراء: عندما يدخل البوليساريو إلى أجندة مكافحة الإرهاب الأميركية

بوشعيب البازي

في التحولات الكبرى للعلاقات الدولية، لا تتغير المواقف دائماً عبر البيانات الرسمية أو القرارات التنفيذية المباشرة، بل كثيراً ما تبدأ من داخل المؤسسات التشريعية، حيث تُختبر الأفكار وتُصاغ الاتجاهات الاستراتيجية الجديدة. ومن هذا المنظور، تبدو جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة الفرعية المعنية بإفريقيا والسياسة الصحية العالمية التابعة للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، يوم 21 أبريل، حدثاً يتجاوز طابعه الإجرائي، لأنه يعكس بداية إعادة تعريف أميركية لملف الصحراء ضمن مقاربة أمنية أوسع.

الجلسة التي خُصصت لموضوع المقاربة الأميركية في مكافحة الإرهاب في إفريقيا شهدت مداخلة لافتة للسيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي أعاد طرح فكرة تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، مستنداً إلى معطيات مرتبطة بعلاقاتها المفترضة مع إيران وشبكاتها الإقليمية. ورغم أن الطرح لا يرقى بعد إلى مستوى القرار التنفيذي، فإنه يحمل دلالة سياسية عميقة: انتقال البوليساريو من خانة “نزاع إقليمي مجمّد” إلى خانة “تهديد أمني محتمل”.

من نزاع ترابي إلى معادلة أمنية

على امتداد عقود، جرى تناول قضية الصحراء داخل الأوساط الغربية باعتبارها نزاعاً سياسياً بين طرفين، يخضع لمسار أممي طويل ومعقد. غير أن البيئة الجيوسياسية المحيطة تغيّرت جذرياً. فالساحل الإفريقي يشهد تصاعداً غير مسبوق للجماعات المسلحة، وانهياراً متدرجاً لقدرات بعض الدول، وتنامياً لاقتصاد التهريب العابر للحدود، فضلاً عن توسع النفوذ الإيراني عبر نماذج الوكلاء غير الرسميين.

في هذا السياق، تصبح أي جماعة مسلحة خارج إطار الدولة، تمتلك فضاءً مفتوحاً للحركة وشبكات إسناد لوجستي، محل اهتمام تلقائي لدى المؤسسات الأمنية الأميركية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يربط كروز بين البوليساريو ونموذج الحوثيين، في إشارة إلى استراتيجية إيرانية تقوم على دعم فاعلين غير دولتيين لإرباك التوازنات الإقليمية بأقل تكلفة مباشرة.

هذا الربط، سواء اتُّفق معه أم اختلف، يكشف تغيراً مهماً في زاوية النظر الأميركية: فالمعيار لم يعد تاريخ النزاع أو شرعية الخطاب السياسي، بل طبيعة السلوك الميداني، وشبكات التمويل، والارتباطات الخارجية، وإمكانية توظيف الجماعات المسلحة في مشاريع نفوذ جيوسياسي.

المغرب واستراتيجية التحذير المبكر

منذ سنوات، سعت الرباط إلى تنبيه شركائها الغربيين إلى أن استمرار حالة الفراغ في مخيمات تندوف والمجالات الرخوة المحيطة بها يخلق بيئة قابلة للاختراق من قبل شبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة والقوى الإقليمية الباحثة عن موطئ قدم في شمال وغرب إفريقيا.

وكانت المقاربة المغربية تقوم على فكرة مركزية مفادها أن نزاع الصحراء لم يعد مجرد ملف حدودي، بل صار يتقاطع مع الأمن الجماعي، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، والطاقة، واستقرار الساحل. واليوم، يبدو أن جزءاً من هذه القراءة بدأ يجد صدى داخل دوائر القرار الأميركية.

إن مجرد إدراج اسم البوليساريو في جلسة مخصصة لمكافحة الإرهاب، وربطه بمخاوف تتعلق بإيران، يمثل مكسباً دبلوماسياً للمغرب، لأنه ينقل النقاش من مجال “التوازن السياسي” إلى مجال “تقييم المخاطر”، وهو مجال أكثر تأثيراً في صناعة القرار بواشنطن.

واشنطن وإعادة ترتيب الأولويات في إفريقيا

الولايات المتحدة تدرك أن القارة الإفريقية لم تعد هامشاً استراتيجياً. فالتنافس الدولي مع الصين وروسيا، والانقلابات العسكرية في الساحل، وتهديدات الممرات البحرية، وتمدد الجماعات الراديكالية، كلها عوامل تدفع واشنطن إلى مراجعة أدواتها التقليدية.

وفي هذا الإطار، يبرز المغرب باعتباره شريكاً مستقراً، يمتلك مؤسسات أمنية فعالة، وخبرة متقدمة في مكافحة الإرهاب، وحضوراً اقتصادياً متنامياً في إفريقيا. لذلك فإن تقارب الرؤية الأميركية مع الطرح المغربي بشأن مخاطر البوليساريو لا يمكن فصله عن إعادة تموضع أوسع تعتبر فيه واشنطن الرباط ركيزة للاستقرار الإقليمي.

كما أن الإدارة الأميركية، مهما اختلفت توجهاتها الحزبية، تميل إلى دعم الحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل مقترح الحكم الذاتي المغربي يحافظ على جاذبيته داخل دوائر عديدة في العاصمة الأميركية.

بين الرمز السياسي والتحول العملي

مع ذلك، ينبغي التمييز بين الخطاب السياسي والمسار المؤسساتي. فتصنيف أي تنظيم كمنظمة إرهابية يخضع في الولايات المتحدة لمساطر قانونية واستخباراتية معقدة، ويستلزم توافقاً بين الكونغرس والإدارة وأجهزة الأمن القومي. لذلك فإن ما جرى لا يعني بالضرورة قرب صدور قرار وشيك.

لكن القيمة الحقيقية تكمن في الرمزية السياسية: عندما يناقش مجلس الشيوخ الأميركي البوليساريو من زاوية التهديد الأمني، فإن صورة الجبهة داخل النخبة الأميركية تتغير تدريجياً. وهذا التحول في الإدراك غالباً ما يسبق التحول في السياسات.

لحظة إقليمية جديدة

ما يجري اليوم يعكس حقيقة جيوستراتيجية أساسية: النزاعات المحلية لم تعد محلية. ففي عالم مترابط، يمكن لمخيمات معزولة في الصحراء أن ترتبط بخرائط التهريب في الساحل، وبالنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وبحسابات الأمن القومي الأميركي.

من هنا، فإن جلسة الاستماع الأخيرة لا تُقرأ فقط كحدث عابر داخل الكونغرس، بل كمؤشر على أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من منطق التسوية السياسية البحتة إلى منطق الأمن الإقليمي والدولي.

وبالنسبة للمغرب، فإن هذا التطور يكرّس نجاح مقاربة طويلة النفس اعتمدت على الربط بين السيادة والاستقرار، وبين التنمية والأمن، وبين الحل السياسي الواقعي ومصالح الشركاء الدوليين. أما بالنسبة لواشنطن، فهو اعتراف متدرج بأن أمن شمال إفريقيا والساحل يبدأ أيضاً من الصحراء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com