الحكم الذاتي ينتقل من مقترح إلى قاعدة تفاوض.. تحولات دولية تعيد رسم ملف الصحراء المغربية

بوشعيب البازي

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، يبدو أن ملف الصحراء المغربية يدخل تدريجيا مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الانتقال من منطق الشعارات الإيديولوجية الجامدة إلى منطق التفاوض الواقعي حول تفاصيل الحل السياسي الممكن. هذا التحول لم يعد مجرد قراءة مغربية أو استنتاج دبلوماسي، بل بات يصدر من داخل الخطاب الرسمي لجبهة بوليساريو نفسها، بعدما كشف محمد يسلم بيسط، الذي يشغل ما يسمى “وزارة خارجية الجبهة”، عن عقد ثلاث جولات من المحادثات غير الرسمية بين المغرب والجبهة الانفصالية منذ فبراير الماضي، اثنتان منها جرتا داخل الولايات المتحدة والثالثة في إسبانيا، تحت رعاية مباشرة من الأمم المتحدة والإدارة الأميركية.

الأهمية الجيوسياسية لهذه التصريحات لا تكمن فقط في تأكيد وجود قنوات تفاوضية نشطة، بل في طبيعة المواضيع المطروحة داخل هذه اللقاءات. فإقرار قيادي بارز في البوليساريو بأن مقترح الحكم الذاتي المغربي، في وثيقة تتجاوز ثمانية وثلاثين صفحة، أصبح موضوع نقاش رسمي داخل المفاوضات، يمثل تحولا عميقا في بنية النزاع نفسه. فبعد عقود من خطاب يقوم على ثنائية “الاستقلال أو الحرب”، تجد الجبهة نفسها اليوم أمام واقع دبلوماسي جديد يفرض عليها مناقشة تفاصيل السيادة المغربية بدل التشكيك فيها.

هذا التطور يعكس، في العمق، نجاحا تراكميا للدبلوماسية المغربية التي اشتغلت خلال السنوات الأخيرة بمنطق النفس الطويل، معتمدة على إعادة بناء موازين القوة داخل المؤسسات الدولية، وتوسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء، وربط الملف بمفاهيم الاستقرار الإقليمي والأمن الجماعي ومحاربة الإرهاب في منطقة الساحل. لقد استطاعت الرباط نقل مبادرة الحكم الذاتي من مجرد مقترح سياسي مطروح على طاولة الأمم المتحدة إلى مرجعية دولية شبه وحيدة للحل، تحظى بدعم قوى دولية مؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وعدد متزايد من الدول الأوروبية والأفريقية والعربية.

ولعل أخطر ما تحمله تصريحات بيسط بالنسبة للطرح الانفصالي التقليدي، هو اعترافه الضمني بأن “الاستفتاء” لم يعد يشكل قاعدة العملية السياسية الحالية. فمجلس الأمن، منذ سنوات، لم يعد يتحدث عن هذا الخيار بوصفه آلية عملية للحل، بل أصبح يركز بشكل واضح على “حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق”. وهي الصياغة التي تصب، عمليا، في مصلحة مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على التوفيق بين السيادة الوطنية ومتطلبات التدبير المحلي.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الدراسات الأمنية والإستراتيجية محمد الطيار أن تصريحات المسؤول الانفصالي تمثل “تحولا جوهريا في طبيعة الخطاب الدبلوماسي للجبهة”، معتبرا أن مجرد مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي يكشف تآكل الأطروحة الانفصالية التقليدية، وانتقال البوليساريو من موقع المطالبة بالانفصال الكامل إلى موقع التفاوض حول سقف الصلاحيات الممكنة داخل السيادة المغربية.

هذا التحول لا يمكن فصله عن المتغيرات الأمنية التي تعرفها المنطقة. فالهجوم الذي استهدف منشآت مدنية بمدينة السمارة في الخامس من مايو الماضي، وما تبعه من إدانات دولية واسعة، أعاد تسليط الضوء على المخاطر المرتبطة بأي تصعيد عسكري جديد في منطقة الساحل وشمال أفريقيا، خصوصا في ظل تنامي التنظيمات المسلحة وشبكات التهريب والجماعات المتطرفة العابرة للحدود. هنا تحديدا، بدأت العديد من العواصم الغربية تنظر إلى البوليساريو ليس فقط كحركة انفصالية، بل كعامل محتمل لعدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر تنامي المخاوف داخل قيادة الجبهة من احتمال إدراجها مستقبلا ضمن التنظيمات المهددة للأمن الإقليمي.

كما أن الحضور الأميركي المتزايد داخل هذا الملف يكشف تحولا في المقاربة الدولية للنزاع. فالإدارة الأميركية، سواء في عهد دونالد ترامب أو في المراحل اللاحقة، باتت تنظر إلى قضية الصحراء من زاوية إستراتيجية تتجاوز البعد القانوني التقليدي، نحو اعتبارات الأمن الطاقي، واستقرار الساحل، واحتواء النفوذ الروسي والصيني والإيراني داخل أفريقيا. ومن هذا المنطلق، أصبحت مبادرة الحكم الذاتي المغربية تُقدَّم في واشنطن باعتبارها حلا براغماتيا يضمن الاستقرار ويحافظ على المصالح الغربية في المنطقة.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تزداد حدة الانتقادات الصادرة عن قيادات البوليساريو تجاه الموقف الإسباني والأوروبي خلال الأشهر الأخيرة. فمدريد، التي كانت تاريخيا تحاول الحفاظ على نوع من “الحياد المرن”، انتقلت تدريجيا إلى دعم واضح للمبادرة المغربية، مدفوعة بحسابات الأمن والهجرة والطاقة والتعاون الاقتصادي. كما أن استمرار الاتحاد الأوروبي في إبرام اتفاقيات اقتصادية وتجارية تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة يعكس تحولا عمليا في النظرة الأوروبية للسيادة المغربية على الصحراء.

وفي الاتجاه نفسه، أشار تقرير صادر عن مركز الأبحاث الأميركي “ستيمسون سنتر” إلى أن واشنطن تتحرك فعليا نحو إنهاء هذا النزاع عبر اعتماد الحكم الذاتي المغربي كأساس تفاوضي رئيسي، مبرزا محدودية الحضور الفعلي للبوليساريو داخل الأقاليم الجنوبية، مقابل ترسخ المؤسسات المغربية ومشاريع التنمية والبنيات التحتية والاستثمارات الكبرى في مدن الصحراء.

كل هذه المؤشرات تؤكد أن النزاع دخل مرحلة إعادة تموقع إستراتيجي، لم يعد فيها السؤال المطروح داخل الدوائر الدولية يتعلق بإمكانية تطبيق الحكم الذاتي، بل بكيفية تنزيله وضماناته السياسية والمؤسساتية. أما الرهان الحقيقي اليوم، فيتمثل في قدرة المغرب على استثمار هذا الزخم الدبلوماسي لتحويل المكاسب السياسية إلى تسوية نهائية ومستدامة، تنهي واحدا من أطول النزاعات الإقليمية في شمال أفريقيا، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة على أسس جديدة عنوانها الواقعية والاستقرار والتنمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com