حين اختفى “الاستفتاء” من القاموس الجزائري: دبلوماسية الصمت… وأول تصريح مفهوم بالعربية
بوشعيب البازي
في الدبلوماسية الجزائرية، ليست المشكلة دائماً فيما يُقال… بل فيما يختفي فجأة من القاموس الرسمي بعد عقود من التكرار العقائدي. فحين يتحدث وزير الخارجية الجزائري عن ملف الصحراء دون أن يلوّح، ولو لمرة واحدة، براية “الاستفتاء”، فإن الأمر يشبه مؤتمراً طبياً حول القهوة من دون ذكر الكافيين: الصمت هنا ليس سهواً، بل اعترافاً غير معلن بأن شيئاً ما تغيّر في عمق الرواية.
لأكثر من أربعة عقود، تعاملت الجزائر مع “الاستفتاء” باعتباره عقيدة دبلوماسية لا تقبل المراجعة، أقرب إلى نص محفوظ يُتلى في كل المحافل الدولية مهما تغيّرت الوقائع على الأرض. لكن تصريح الوزير الأخير بدا وكأنه صادر من غرفة تحرير جديدة داخل الدبلوماسية الجزائرية؛ غرفة أقل حماساً للشعارات التاريخية وأكثر انتباهاً لما يجري داخل أروقة مجلس الأمن.
اللافت أن الخطاب لم يعد يتحرك داخل أرشيف سبعينيات الحرب الباردة، بل داخل معجم الأمم المتحدة الحالي: “حل سياسي”، “واقعي”، “عملي”، “مستدام”، “المسار الأممي”، و”القرار الأخير”. وهي مفردات قد تبدو تقنية ومحايدة، لكنها في الحقيقة تحمل شحنة سياسية ثقيلة، لأنها تعكس التحول التدريجي الذي عرفته المقاربة الدولية للملف، حيث تراجع وهج فكرة الاستفتاء لصالح البحث عن تسوية قابلة للحياة، لا مجرد شعار صالح للاستهلاك الخطابي.
الجزائر هنا لا تعلن تراجعاً مباشراً، لأن الأنظمة لا تُسقط شعاراتها القديمة دفعة واحدة، بل تُخفف صوتها تدريجياً إلى أن يصبح الصمت نفسه إعلاناً سياسياً. لذلك بدا التصريح وكأنه تمرين دبلوماسي في فن “الانسحاب الهادئ من المفردات المحرجة”. فلا أحد قال إن الاستفتاء انتهى، لكن أحداً أيضاً لم يعد يتحدث عنه بالحماسة القديمة نفسها، وكأن الكلمة أصبحت عبئاً أكثر منها مشروعاً قابلاً للتنفيذ.
والواقع أن التحولات الدولية جعلت الخطاب التقليدي يبدو متقادماً أمام مشهد دبلوماسي جديد: قنصليات تُفتح في الأقاليم الجنوبية، دول كبرى تدعم مقترح الحكم الذاتي، وقرارات أممية تتحدث بلغة “الواقعية” أكثر مما تتحدث بلغة “الحلول النظرية”. وحتى الأمم المتحدة نفسها لم تعد تمنح فكرة الاستفتاء ذلك الموقع المركزي الذي كانت تحتله سابقاً، بعدما اصطدمت بعقدة الهيئة الناخبة واستحالة التوافق حول شروط التنفيذ.
هنا تحديداً، يمكن فهم نبرة الوزير الجزائري: ليس باعتبارها انقلاباً سياسياً، بل باعتبارها محاولة ذكية لإعادة التموضع دون الاعتراف بذلك علناً. فالخطاب الجديد لا يهدم السردية القديمة، لكنه يضعها في المتحف ويغلق عليها الباب بهدوء، ثم يتحدث بلغة أكثر مرونة حتى لا يبدو منفصلاً عن المزاج الدولي الحالي.
الدبلوماسية الجزائرية تبدو اليوم كمن يحاول مغادرة محطة قديمة دون أن يعترف بأنه فوّت القطار منذ سنوات. لذلك تلجأ إلى الاحتماء بالشرعية الأممية المعاصرة بدل الاستمرار في خطاب فقد كثيراً من زخمه الدولي. وهذا في حد ذاته مؤشر مهم: حين تتحول الأمم المتحدة من فضاء لتكرار الشعارات إلى ملاذ لغوي لتخفيف الحرج السياسي، فذلك يعني أن ميزان الملف لم يعد كما كان.
ومع ذلك، سيكون من السذاجة اعتبار هذا التصريح إعلان استسلام سياسي أو تحولاً جذرياً في الموقف الجزائري. ما يجري أقرب إلى “إعادة تدوير لغوي” مدروس، يسمح للجزائر بالتكيف مع التحولات الدولية دون دفع كلفة الاعتراف العلني بالتراجع. إنها دبلوماسية النصف خطوة: لا هي قادرة على التمسك الكامل بالماضي، ولا هي مستعدة للاعتراف الكامل بأن المستقبل يسير في اتجاه آخر.
وفي مشهد لا يقل رمزية عن مضمون التصريح نفسه، بدا الوزير الجزائري هذه المرة مفهوماً وهو يتحدث باللغة العربية، وهي ملاحظة قد تبدو جانبية لكنها تحمل دلالة ساخرة عن حال الخطاب السياسي في الجزائر. فالمفارقة أن عدداً من المسؤولين الجزائريين، حين يخرجون للحديث بالعربية، يتحول الأمر أحياناً إلى معركة مفتوحة مع قواعد النحو والصرف ومخارج الحروف، إلى درجة أن المتابع يحتاج أحياناً إلى مترجم… لا لفهم الموقف السياسي، بل لفهم الجملة نفسها. لذلك، يمكن القول إن التطور الدبلوماسي لم يقتصر على تخفيف مفردة “الاستفتاء”، بل شمل أيضاً تحسناً نادراً في القدرة على إيصال الفكرة بلغة عربية سليمة نسبياً، من دون أن تنهار الجملة قبل وصولها إلى الفعل أو يضيع المبتدأ في دهاليز الارتجال الرسمي.
وفي النهاية، قد يكون أهم ما قاله وزير الخارجية الجزائري… هو بالضبط ما لم يقله.