بين الشغف الرياضي والاستغلال التجاري: هل أصبحت بعض مقاهي بروكسل تستثمر في الانتماء العاطفي للجالية المغربية؟

بوشعيب البازي

مع كل مشاركة للمنتخب المغربي في المنافسات الدولية الكبرى، وخاصة خلال نهائيات كأس العالم، تتحول المقاهي المغربية المنتشرة في العاصمة البلجيكية بروكسل إلى فضاءات اجتماعية تعيد إنتاج شعور الانتماء والهوية المشتركة لدى أفراد الجالية المغربية. فهذه اللحظات الرياضية تتجاوز مجرد متابعة مباراة في كرة القدم، لتصبح مناسبة جماعية تستحضر الروابط الثقافية والوطنية لدى مغاربة المهجر.

غير أن هذه الأجواء الاحتفالية لا تخلو من بعض الممارسات التي تثير العديد من علامات الاستفهام، خاصة عندما تتحول العاطفة الجماعية إلى فرصة لتحقيق أرباح استثنائية قد تصل في بعض الحالات إلى حدود الاستغلال الاقتصادي للمستهلكين.

وقد اشتكى عدد من أفراد الجالية المغربية في بروكسل من قيام بعض المقاهي برفع أسعار المشروبات بشكل غير مسبوق خلال مباريات المنتخب المغربي، حيث انتقلت أسعار بعض المشروبات من معدل يتراوح بين يوروين وثلاثة يوروهات إلى ما يقارب عشرة يوروهات مقابل المشروب الواحد، فقط لضمان متابعة المباريات داخل هذه الفضاءات. وتداول رواد أحد المقاهي الواقعة بشارع سطالين غراد وسط العاصمة البلجيكية حالات مماثلة، ما أثار موجة من الاستياء والتساؤلات حول مدى قانونية هذه الممارسات وأخلاقيتها التجارية.

من منظور اقتصادي بحت، يخضع تحديد الأسعار في الاقتصاد البلجيكي لمبدأ حرية السوق، غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ تظل مقيدة بضرورة احترام قواعد الشفافية التجارية وعدم التضليل وحماية المستهلك. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يتم إبلاغ الزبائن مسبقاً وبشكل واضح بهذه الزيادات الاستثنائية؟ أم أن الأمر يتعلق باستغلال ظرفي لمشاعر الانتماء الوطني والرغبة الجماعية في متابعة المنتخب المغربي؟

Screenshot

إن الإشكالية لا تقف عند حدود أخلاقيات الممارسة التجارية، بل تمتد إلى أبعاد أخرى ذات صلة بالحكامة الاقتصادية والعدالة الضريبية. فإذا كانت هذه المقاهي تحقق مداخيل استثنائية خلال المناسبات الرياضية الكبرى، فإن التساؤل المشروع يتمثل في مدى التصريح بهذه الإيرادات لدى السلطات الضريبية البلجيكية وفقاً للقوانين المعمول بها.

ولا يعني طرح هذا السؤال إطلاق اتهامات مباشرة أو إصدار أحكام مسبقة، إذ إن احترام قرينة البراءة يظل من المبادئ الأساسية في دولة القانون. غير أن حجم التدفقات المالية النقدية التي قد ترافق مثل هذه المناسبات يفرض، من منظور الحوكمة المالية، أهمية تعزيز آليات المراقبة والتتبع الضريبي لضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين ومنع أي ممارسات قد تفتح المجال أمام الاقتصاد غير المهيكل أو التهرب الضريبي.

وفي السياق الأوروبي الراهن، أصبحت مكافحة الاقتصاد الموازي وتبييض الأموال من الأولويات الاستراتيجية للمؤسسات الوطنية والأوروبية على حد سواء. ولذلك، فإن أي نشاط اقتصادي يعتمد بشكل كبير على التعاملات النقدية الاستثنائية خلال فترات محددة يستوجب، بشكل طبيعي، خضوعه لمعايير الشفافية والمراقبة التي تكفل حماية الاقتصاد المشروع وتعزز الثقة في المؤسسات.

من جهة أخرى، تطرح هذه الظاهرة تساؤلات اجتماعية عميقة حول طبيعة العلاقة بين بعض الفاعلين الاقتصاديين وأفراد الجالية المغربية. فبدلاً من استثمار هذه المناسبات الرياضية لتعزيز التضامن المجتمعي وتقوية الروابط الاجتماعية داخل المهجر، يبدو أن بعض الجهات تنظر إليها باعتبارها فرصة لتحقيق أرباح سريعة على حساب زبائن تجمعهم بها روابط ثقافية وإنسانية مشتركة.

إن الجالية المغربية في بلجيكا، التي ساهمت لعقود في التنمية الاقتصادية للبلاد وأثبتت حضورها الإيجابي داخل المجتمع البلجيكي، تستحق فضاءات ترفيهية تحترم قدرتها الشرائية وتحافظ على البعد الجماعي لهذه المناسبات الوطنية، بعيداً عن أي ممارسات قد تُفهم باعتبارها استغلالاً للمشاعر والانتماء.

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك مزدوج. فمن جهة، تقع على عاتق السلطات البلجيكية المختصة مسؤولية التأكد من احترام القوانين المتعلقة بحماية المستهلك والالتزامات الضريبية لجميع المؤسسات التجارية دون استثناء. ومن جهة أخرى، يمتلك أفراد الجالية المغربية قوة تأثير حقيقية من خلال تبني سلوك استهلاكي مسؤول، يقوم على مقاطعة المؤسسات التي تعتمد ممارسات يعتبرونها مجحفة أو غير عادلة.

إن مباريات المنتخب المغربي يجب أن تبقى لحظات للاحتفال الجماعي والفخر الوطني، لا مناسبة لإثارة الشعور بالاستغلال أو الإحساس بالغبن الاقتصادي. فنجاح أي نشاط تجاري داخل المجتمعات المهاجرة لا يقاس فقط بحجم الأرباح المحققة، بل أيضاً بقدرته على بناء الثقة واحترام القيم الأخلاقية التي تؤسس لعلاقة متوازنة ومستدامة مع الزبناء.

وفي النهاية، فإن النقاش الذي تثيره هذه الممارسات يتجاوز حدود مقهى بعينه أو حي معين في بروكسل، ليطرح سؤالاً أوسع حول التوازن الضروري بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، وبين منطق الربح واحترام كرامة المستهلك. وهي معادلة ستظل معياراً حقيقياً لمدى نضج الممارسات التجارية داخل المجتمعات متعددة الثقافات في أوروبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com