في عالم الإعلام الرقمي، حيث تتنافس الدول والمؤسسات والشخصيات على جذب الانتباه، هناك مؤشرات غير تقليدية لقياس النفوذ. أحد هذه المؤشرات يتمثل في حجم الحضور داخل النقاشات العالمية، حتى عندما يكون هذا الحضور مثيراً للجدل. واليوم، يبدو أن كلمة “المغرب” تحولت إلى واحدة من أكثر الكلمات تداولاً في الفضاء الرقمي العربي والإفريقي والمتوسطي، بل وحتى في دوائر أبعد جغرافياً.
لم يعد المغرب مجرد دولة شمال إفريقية تحظى بمكانة إقليمية متقدمة، بل أصبح موضوعاً دائماً للنقاش والجدل والتعليق. من القاهرة إلى الجزائر العاصمة، ومن تونس إلى بعض المنصات الناطقة بالإسبانية والبرتغالية، يتكرر اسم المغرب بشكل يكاد يكون يومياً. والأكثر إثارة للانتباه أن بعض صناع المحتوى والمؤثرين اكتشفوا معادلة بسيطة لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة: تحدث عن المغرب، وانتقد المغرب، وستحصل على التفاعل.
منطق “اقتصاد الانتباه”
في العلوم السياسية والإعلامية الحديثة، أصبح الانتباه مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية التقليدية. فكلما زادت قدرة فاعل معين على جذب النقاش حوله، زادت قيمته الرمزية داخل الفضاء العام.
المغرب اليوم يوجد في قلب هذا الاقتصاد الجديد للانتباه. فعندما تحقق دولة تقدماً دبلوماسياً في ملف حساس كقضية الصحراء، أو تنجح في استقطاب استثمارات كبرى، أو تتحول إلى منصة صناعية إفريقية في مجالات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، فإنها تصبح تلقائياً موضوعاً للمراقبة والمتابعة والمقارنة.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف من بعض الانتقادات الموجهة للمغرب هو تحليل التجربة المغربية بقدر ما يكون محاولة للاستفادة من الزخم الذي بات يرافق اسم المملكة على شبكات التواصل الاجتماعي.
من منتخب كرة القدم إلى القوة الناعمة
شكل الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022 نقطة تحول مفصلية في صورة المغرب عالمياً. فالمملكة لم تقدم فقط أداءً رياضياً استثنائياً، بل قدمت نموذجاً حضارياً وثقافياً أثار اهتمام الملايين عبر العالم.
ومنذ ذلك التاريخ، توسعت دائرة الاهتمام الدولي بالمغرب لتشمل قطاعات أخرى: السياحة، الاستثمار، الأمن الغذائي، الصناعات الدفاعية، الموانئ، الطاقة الخضراء، والبنية التحتية.
ولعل أحد أهم المؤشرات على هذا التحول يتمثل في أن المغرب لم يعد يُقارن بجيرانه المباشرين فقط، بل أصبح يُقارن بدول صاعدة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وآسيا. وهذه في حد ذاتها نقلة نوعية في مكانة الدولة داخل النظام الدولي.
لماذا يتحدث الجميع عن المغرب؟
هناك قاعدة معروفة في علم العلاقات الدولية تقول إن الدول الناجحة تثير الإعجاب والاهتمام معاً. وعندما تتقدم دولة بسرعة نسبية داخل محيطها الإقليمي، فإنها تصبح مرجعاً للمقارنة، وأحياناً هدفاً للانتقاد.
من هذا المنطلق يمكن فهم الكم الهائل من المحتوى الذي يُنتج يومياً حول المغرب. فبعضه يعكس اهتماماً حقيقياً بالتجربة المغربية، وبعضه الآخر يعكس منافسة إقليمية أو رغبة في استقطاب الجمهور من خلال إثارة الجدل.
وقد أصبح واضحاً أن العديد من صناع المحتوى، سواء في بعض الأوساط المصرية أو الجزائرية أو التونسية، بل وحتى لدى بعض المؤثرين من مناطق بعيدة جغرافياً، يدركون أن ذكر المغرب كفيل بإشعال النقاشات وزيادة نسب التفاعل والمشاهدة.
إنها ظاهرة تكشف في جوهرها عن حجم الحضور المغربي داخل المخيال الجماعي للمنطقة.
المغرب كقوة جيوستراتيجية صاعدة
بعيداً عن الضجيج الرقمي، تظل المعطيات الميدانية هي المعيار الحقيقي. وخلال العقدين الأخيرين، تمكن المغرب من ترسيخ موقعه كفاعل محوري بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
فالمملكة أصبحت منصة لوجستية تربط شمال القارة بجنوبها، وشريكاً أمنياً موثوقاً لدى القوى الغربية، ومركزاً صناعياً يستقطب كبريات الشركات العالمية. كما نجحت في تنويع شراكاتها الدولية دون الوقوع في الاصطفافات الحادة التي تشهدها الساحة الدولية.
هذه الدينامية جعلت المغرب حاضراً في ملفات تتجاوز حجمه الجغرافي والديمغرافي، وهو ما يفسر جزئياً الاهتمام المتزايد به داخل وسائل الإعلام الدولية ومراكز الدراسات الاستراتيجية.
بين النقد المشروع والبحث عن الشهرة
لا توجد دولة فوق النقد، والمغرب نفسه يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية حقيقية. لكن الفرق يبقى واضحاً بين النقد الموضوعي المبني على الوقائع، وبين الخطابات التي تُنتج أساساً بهدف حصد المشاهدات وتحقيق الانتشار.
وفي عصر الخوارزميات، أصبحت بعض المنصات تكافئ الجدل أكثر مما تكافئ التحليل الرصين. ولهذا نجد أن اسم المغرب يتحول أحياناً إلى وسيلة سريعة للوصول إلى الجمهور، بغض النظر عن دقة المحتوى أو موضوعيته.
عندما يصبح اسم دولة موضوعاً دائماً للنقاش داخل فضاءات إعلامية متعددة الجنسيات واللغات، فإن ذلك يعكس قبل كل شيء حجم حضورها وتأثيرها. والمغرب اليوم يعيش هذه المرحلة بوضوح.
فالمملكة لم تعد مجرد دولة تتابع الأحداث، بل أصبحت دولة تصنع جزءاً منها. ولهذا السبب بالذات يتزايد الحديث عنها، سواء من قبل المؤيدين أو المنتقدين.
في السياسة كما في الإعلام، لا يُقاس النفوذ بعدد من يتحدثون عنك بإيجابية فقط، بل أيضاً بعدد من يجدون أنفسهم مضطرين للحديث عنك باستمرار. وعندما يتحول اسم “المغرب” إلى كلمة مفتاحية تجذب الانتباه عبر القارات، فإننا نكون أمام مؤشر جديد على صعود قوة ناعمة وجيوستراتيجية أصبحت رقماً يصعب تجاهله في المعادلات الإقليمية والدولية.