لم يعد سؤال الهجرة في المغرب مجرد قضية مرتبطة بالفقر أو البطالة، بل تحول إلى مؤشر اجتماعي وسياسي يقيس درجة ثقة المواطن في مستقبله داخل وطنه. والمشاهد التي تابعها العالم خلال الأيام الأخيرة، حيث حاول عدد كبير من الشباب، إلى جانب نساء وأطفال، الوصول إلى مدينة سبتة، أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا وإحراجًا: ماذا لو أصبحت الحدود بين المغرب وأوروبا مفتوحة أمام الجميع؟ كم عدد المغاربة الذين سيختارون البقاء، وكم منهم سيقرر الرحيل بحثًا عن حياة يعتقد أنها أكثر كرامة واستقرارًا؟
لا يمكن تقديم إجابة رقمية أو قاطعة عن هذا السؤال، لكنه يفرض نفسه بقوة عندما تتحول الرغبة في الهجرة إلى ظاهرة تشمل فئات عمرية واجتماعية متعددة. فالهجرة هنا لا تبدو مجرد قرار اقتصادي، بل أصبحت بالنسبة إلى كثيرين تعبيرًا عن فقدان الأمل في تحقيق الذات داخل الوطن. وعندما تصبح المغادرة حلمًا جماعيًا، فإن الأمر يستدعي قراءة تتجاوز المقاربة الأمنية أو القانونية، لتشمل السياسات الاقتصادية، وجودة الخدمات العمومية، وفرص الشغل، والعدالة الاجتماعية، والإحساس بالمساواة وتكافؤ الفرص.
إن قيمة الوطن لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي أو بحجم الاستثمارات والبنيات التحتية، وإنما أيضًا بمدى رغبة مواطنيه في العيش فيه والمساهمة في بنائه. فالوطن الحقيقي هو ذلك الذي يشعر فيه الإنسان بأن مستقبله مرتبط بأرضه، وأن كرامته مصونة، وأن جهده يمكن أن يثمر دون الحاجة إلى البحث عن فرصة في الضفة الأخرى. أما عندما يصبح الرحيل مشروعًا جماعيًا، فإن ذلك يستوجب وقفة تأمل صادقة، لأن الانتماء لا يُفرض بالقوانين، بل يُبنى بالثقة والعدالة والأمل.
لقد أظهرت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في الحد من الهجرة ليست بالضرورة الأغنى، وإنما هي التي استطاعت أن تجعل مواطنيها يشعرون بأن المستقبل ممكن داخل حدودها. فالمواطن لا يغادر وطنه حبًا في الغربة، بل يهاجر عندما يعتقد أن إمكانات تحقيق طموحه أصبحت أكبر في مكان آخر. ومن هنا، فإن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تنحصر في تشديد المراقبة أو منع محاولات العبور، بل في معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان أصلًا إلى التفكير في المغادرة.
إن المشاهد المؤلمة التي تناقلتها وسائل الإعلام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد حدث عابر، بل باعتبارها رسالة اجتماعية عميقة تستحق الإصغاء. فالأوطان تُقاس بقدرتها على احتضان أبنائها قبل قدرتها على منعهم من الرحيل. وإذا كان السجن هو المكان الذي يسعى الإنسان بطبيعته إلى الفرار منه، فإن الوطن، في صورته المثالية، هو الفضاء الذي يختار الإنسان البقاء فيه عن قناعة ومحبة، لأنه يجد فيه الكرامة والحرية وفرصة العيش الكريم.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار والرأي العام: كيف يمكن بناء مغرب يجعل الهجرة خيارًا فرديًا لمن يرغب في اكتشاف العالم، لا ملاذًا جماعيًا لمن فقد الأمل في المستقبل داخل وطنه؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من أي خطاب حول التنمية، لأنها ترتبط بأغلى رأسمال تملكه أي دولة: ثقة مواطنيها في وطنهم.