حين تتحول الحدود إلى رقعة شطرنج… من يحاسب من يجعل الإنسان وقوداً للحسابات السياسية؟

بوشعيب البازي

لم تعد المآسي المتكررة على حدود سبتة المحتلة مجرد أخبار عابرة تتناقلها وكالات الأنباء، بل تحولت إلى جرح إنساني مفتوح يفرض أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة حول قيمة الإنسان في السياسات العمومية، وحول الحدود الفاصلة بين إدارة الأزمات واستغلالها. فحين ترتفع حصيلة الضحايا إلى عشرات القتلى، ويغادر عشرات الآلاف المدينة في ظرف زمني وجيز بعد موجة عبور غير مسبوقة، يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام: كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن هذا الانهيار الإنساني؟

إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية الحدود، وإنما قبل ذلك بقدرتها على حماية مواطنيها من الوقوع في أوضاع تدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم. لذلك، فإن أي تدبير للحدود ينبغي أن يكون خاضعاً لمنطق سيادة القانون وحماية الأرواح، لا أن يتحول إلى مشهد تتداخل فيه الحسابات السياسية مع مصائر آلاف الأسر المغربية التي دفعت أغلى ما تملك.

وما يثير القلق أكثر هو أن ما وقع أعقبه، وفق المعطيات المتداولة، عودة عشرات الآلاف من الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة خلال فترة قصيرة. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى ما حدث برمته. فإذا كانت النتيجة النهائية هي إعادة أغلب الوافدين، فما الذي كسبه هؤلاء الشباب سوى الخوف والإذلال وفقدان بعضهم لحياته؟ وهل يجوز أن يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلات سياسية أو أمنية لا يعلم تفاصيلها؟

إن المواطن المغربي ليس ورقة تفاوض، وليس رقماً يُحرك وفق مقتضيات الظرف السياسي. فكرامة الإنسان، التي ينص عليها الدستور والمواثيق الدولية، يجب أن تبقى فوق كل اعتبار. ولا يمكن لأي مصلحة، مهما كانت طبيعتها، أن تبرر تعريض المواطنين لمخاطر الموت أو الغرق أو الصدام مع قوات الأمن على الضفة الأخرى.

ومن حق المغاربة أن يطرحوا أسئلة صريحة: لماذا يغامر آلاف الشباب بحياتهم للوصول إلى الضفة الشمالية؟ ولماذا لا نشهد الظاهرة في الاتجاه المعاكس؟ لماذا لا يخاطر الإسبان بالسباحة نحو المغرب؟ إن الإجابة لا تكمن في الجغرافيا، بل في الفوارق الاقتصادية والاجتماعية وفرص العيش ومستوى الخدمات وجودة المؤسسات. فالهجرة، في جوهرها، ليست بحثاً عن البحر، وإنما بحث عن الأمل.

وإذا كانت عشرات الآلاف قد حاولت العبور في أيام معدودة، فإن ذلك لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره حادثاً أمنياً، بل مؤشراً اجتماعياً خطيراً يكشف حجم اليأس الذي يعيشه جزء من الشباب. فحين يصبح البحر أقل رعباً من المستقبل، تكون المشكلة أعمق من مجرد تشديد المراقبة على الحدود.

إن المسؤولية السياسية تقتضي الشفافية الكاملة أمام الرأي العام. فمن حق المواطنين معرفة كيف تُدار الأزمات الحدودية، وما هي الأسس القانونية والمؤسساتية التي تحكم القرارات ذات التأثير المباشر على حياة الناس. فالديمقراطيات لا تخشى الأسئلة، بل تعتبرها جزءاً من آليات المحاسبة والرقابة.

كما أن هذه المأساة تستوجب فتح تقييم وطني مستقل لكل ما جرى، ليس بهدف توجيه الاتهامات، وإنما من أجل استخلاص الدروس وضمان عدم تكرار مشاهد دفع فيها عشرات الأشخاص حياتهم ثمناً لمحاولة عبور انتهت بالموت أو بالإرجاع.

إن المغرب أكبر من أن تُختزل صورته في مشاهد الغرق، وأكبر من أن يكون شبابه وقوداً للأزمات. والوطن الذي يراهن على التنمية والاستقرار مطالب، أكثر من أي وقت مضى، بأن يجعل الإنسان محور كل السياسات، وأن يقطع مع أي مقاربة قد تُفهم على أنها تجعل المواطن أداة في صراعات أو تفاهمات سياسية.

فالأوطان تُبنى بمواطنيها، لا على حسابهم. والحدود يجب أن تكون فضاءً لحماية الكرامة والسيادة، لا مسرحاً تُختبر فيه قدرة الإنسان على النجاة من البحر أو من الحسابات السياسية.
:::

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com