الأعوان المحليون في القنصليات المغربية بالخارج.. بين حدود الاختصاص والحاجة إلى افتحاص قانوني وإداري

بوشعيب البازي

يشكل الأعوان المحليون جزءاً أساسياً من منظومة العمل داخل البعثات الدبلوماسية والقنصلية المغربية بالخارج. فوجودهم ليس استثناءً مغربياً، بل هو ممارسة معمول بها في عدد كبير من الدول، باعتبار أن البعثات الدبلوماسية تحتاج، بحكم طبيعة عملها وموقعها الجغرافي، إلى الاستعانة بموارد بشرية محلية تساعدها في أداء مجموعة من المهام الإدارية والخدماتية واللوجستية.

غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هؤلاء الأعوان، ولا في الدور الذي يؤدونه، وإنما في حدود الاختصاصات الممنوحة لهم، وآليات مراقبة عملهم، ومدى احترام القواعد القانونية والإدارية المعمول بها في دول الاستقبال.

فالعون المحلي، مهما كانت خبرته أو أقدميته أو طبيعة علاقته بالإدارة، يظل موظفاً بعقد محلي يخضع، من حيث المبدأ، لإطار قانوني يختلف عن الإطار الذي يحكم موظفي وزارة الشؤون الخارجية المنتدبين للعمل بالخارج. ومن ثم، فإن توسيع دائرة اختصاصاته إلى ملفات تدخل في صميم الصلاحيات السيادية أو الإدارية لموظفي الوزارة يطرح أسئلة جدية حول المسؤولية، والمراقبة، وسلامة الإجراءات.

عندما تختلط الصلاحيات

داخل أي قنصلية حديثة، هناك ملفات تتطلب درجة عالية من المسؤولية، ليس فقط بسبب طبيعتها الإدارية، وإنما أيضاً بسبب ارتباطها بالمال العام، وبالمعطيات الشخصية، وبالقوانين المحلية، وبالعلاقات بين الدولة المغربية ودولة الاعتماد.

ومن الطبيعي أن يستفيد العون المحلي من الثقة اللازمة للقيام بالمهام المسندة إليه، لكن الثقة لا يمكن أن تتحول إلى تفويض مفتوح، كما أن الأقدمية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الاختصاص القانوني.

وهنا تبرز الحاجة إلى طرح سؤال واضح: ما هي بالضبط الصلاحيات التي يمكن أن يمارسها العون المحلي داخل القنصلية، وما هي الأعمال التي ينبغي أن تبقى حصراً بيد موظفي وزارة الشؤون الخارجية؟

السؤال ليس موجهاً ضد الأعوان المحليين، بل يتعلق بمبدأ أساسي في الإدارة الحديثة: الفصل بين الاختصاصات وتحديد المسؤوليات.

فكلما كانت الصلاحيات واضحة ومحددة، كان من السهل معرفة المسؤول عن القرار، ومراقبة مدى احترام القوانين، وتفادي تضارب المصالح أو استغلال النفوذ الإداري.

ملف الأجور والضرائب.. مثال يستحق التدقيق

من بين الملفات التي تستدعي، في هذا السياق، نقاشاً أكثر جدية، ملف الأجور والتصريحات المرتبطة بها.

وفي بعض الحالات التي يتم تداولها داخل الأوساط القنصلية، يثار موضوع إسناد بعض العمليات المرتبطة بتصريح أجور العاملين ومعالجة الاقتطاعات إلى أعوان محليين، وهو أمر يستوجب، إن ثبت في حالات معينة، مراجعة دقيقة من الناحية القانونية والإدارية.

فـالضريبة المهنية المقتطعة من الأجر، أو ما يعرف في بلجيكا بـ précompte professionnel، ليست امتيازاً شخصياً للموظف، وإنما اقتطاع ضريبي يتم من الأجر وفق القواعد المعمول بها في الدولة المضيفة.

وعندما لا يتم التصريح بهذا الاقتطاع أو لا يتم تحويله وفق الإجراءات القانونية، فإن المسألة لا تعود مجرد خطأ إداري بسيط، بل يمكن أن تطرح مسؤوليات تجاه الدولة المضيفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجهة رسمية تمثل دولة أجنبية على أراضيها.

ومن هنا، فإن أي معالجة لهذا الملف ينبغي أن تتم بعيداً عن الاتهامات الجاهزة، وبالاستناد إلى الوثائق والعقود والتصريحات الرسمية والسجلات المحاسبية. فإذا كانت هناك حالات عدم تصريح أو تصريح غير مطابق، فإن المطلوب هو تحديد المسؤوليات بدقة: هل يتعلق الأمر بخطأ فردي؟ أم بخلل في المساطر؟ أم بغياب آلية مركزية للمراقبة؟

وزارة الخارجية والقوانين المحلية

المسألة الأوسع التي تستحق النقاش هي مدى ملاءمة عقود الأعوان المحليين مع قوانين دول الاستقبال.

فالبعثة الدبلوماسية لا تعمل في فراغ قانوني. صحيح أن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية تمنحان البعثات الأجنبية امتيازات وحصانات محددة، غير أن ذلك لا يعني أن كل علاقة شغلية أو مالية أو ضريبية تصبح تلقائياً خارج نطاق القوانين المحلية.

ولهذا تعتمد العديد من الدول على أنظمة دقيقة لتنظيم تشغيل الموظفين المحليين في سفاراتها وقنصلياتها، مع تحديد واضح للحقوق والواجبات، والمسؤوليات، والضرائب، والتأمينات الاجتماعية، وآليات إنهاء العقود وتسوية النزاعات.

وهنا تبرز ضرورة أن تكون الإدارة المركزية لوزارة الشؤون الخارجية المغربية على اطلاع دائم ومفصل على التشريعات الاجتماعية والضريبية وقوانين الشغل في البلدان التي توجد بها بعثاتها.

فالعقود التي أبرمت قبل سنوات، أو قبل تولي مسؤولين حاليين مهامهم، لا ينبغي أن تبقى بمنأى عن المراجعة القانونية إذا طرأت تغييرات على التشريعات المحلية أو على طبيعة المهام الموكولة إلى أصحابها.

عقود قديمة وأسئلة مؤجلة

ملف الأعوان المحليين ليس جديداً، وبعض العقود تعود إلى مراحل سابقة على التحولات التي عرفتها وزارة الشؤون الخارجية خلال السنوات الأخيرة.

وهنا لا بد من التمييز بين أمرين: احترام الحقوق المكتسبة قانوناً من جهة، وضرورة إخضاع الوضعيات القديمة للمراجعة والتدقيق من جهة أخرى.

فالاستقرار الإداري لا يعني تجميد الاختلالات إن وجدت، كما أن مراجعة العقود لا تعني بالضرورة المساس بحقوق الموظفين.

لكن من حق الدولة أن تعرف: كم عدد الأعوان المحليين في مختلف بعثاتها؟ ما طبيعة عقودهم؟ ما سلم أجورهم؟ ما هي مهام كل واحد منهم؟ من يراقب أداءهم؟ من يتحمل المسؤولية القانونية عن الأعمال التي يقومون بها؟ وهل تتطابق أوضاعهم مع القوانين المحلية؟

هذه أسئلة إدارية عادية في أي مؤسسة عمومية حديثة، ولا ينبغي أن تتحول إلى موضوع حساس لمجرد طرحها.

رؤساء البعتات بين المسؤولية والواقع

وتزداد المسألة تعقيداً عندما يجد المسؤول نفسه أمام وضعية إدارية تراكمت على مدى سنوات.

فالممسؤول الذي يصل إلى بعثة جديدة لا يبدأ دائماً من الصفر. يجد أمامه عقوداً قديمة، وأعواناً راكموا سنوات من الخبرة، ومساطر إدارية قائمة، وعلاقات داخلية تشكلت بمرور الوقت.

لكن مسؤولية القنصل لا ينبغي أن تكون رهينة بالخوف من ردود فعل أي فئة داخل القنصلية. وفي المقابل، لا يمكن أيضاً تحميل القنصل مسؤولية اختلالات بنيوية تحتاج إلى قرار مركزي من الوزارة.

الحل إذن ليس في صراع بين القنصل والأعوان المحليين، وإنما في وضع قواعد مؤسساتية تجعل تطبيق القانون أمراً عادياً لا يعتمد على شخصية المسؤول أو قوة الموظف أو علاقاته داخل الإدارة.

المطلوب: افتحاص شامل وليس حملة ضد الأعوان

فتح ملف الأعوان المحليين لا ينبغي أن يتحول إلى حملة تستهدف هذه الفئة، التي تضم بالتأكيد موظفين يؤدون أعمالهم بمهنية ونزاهة ويشكلون جزءاً مهماً من سير المرافق القنصلية.

المطلوب هو شيء مختلف تماماً: افتحاص إداري وقانوني ومالي شامل ومستقل.

افتحاص يمكن أن يشمل العقود، والأجور، والضرائب، والتصريحات الاجتماعية، والمهام، والصلاحيات، وساعات العمل، والمسؤوليات، وآليات التوظيف، ومدى احترام قوانين الدولة المضيفة.

كما ينبغي وضع مصفوفة واضحة للصلاحيات داخل كل قنصلية، تحدد ما يمكن للعون المحلي القيام به، وما لا يمكنه القيام به، وما يتطلب توقيع أو تأشير موظف تابع للوزارة.

فالإدارة الحديثة لا تقوم على الأشخاص، وإنما على المساطر وقابلية التتبع والمراقبة.

الجرأة المطلوبة

لقد قطعت وزارة الشؤون الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة في تحديث الإدارة القنصلية وتحسين الخدمات الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج. غير أن تحديث الواجهة لا يكفي إذا ظلت بعض الملفات الداخلية معلقة.

وإذا كانت الوزارة تريد فعلاً بناء جهاز قنصلي أكثر فعالية وشفافية، فإن ملف الأعوان المحليين يجب أن يكون جزءاً من هذا الإصلاح.

المطلوب ليس محاكمة الماضي، ولا التشكيك في جميع العاملين، ولا فتح مواجهة بين الموظفين المحليين والدبلوماسيين. المطلوب هو إعادة ضبط العلاقة التعاقدية والإدارية وفق القانون، وتحديد الصلاحيات، وتوحيد المساطر، ومراجعة الملفات القديمة، وضمان احترام قوانين دول الاستقبال.

وفي النهاية، فإن قوة المؤسسة القنصلية لا تقاس فقط بعدد الخدمات التي تقدمها للمواطنين، وإنما أيضاً بقدرتها على ضبط بيتها الداخلي.

فحين تكون الصلاحيات واضحة، والعقود سليمة، والتصريحات الضريبية منتظمة، والمسؤوليات محددة، لا يبقى مجال كبير للمناطق الرمادية.

أما حين تصبح بعض الملفات الحساسة مرتبطة بأشخاص بعينهم، أو بعلاقات عمرها سنوات، أو بخوف مسؤول من فتح ملف إداري، فإن المشكلة لا تعود مشكلة عون محلي أو قنصل بعينه، بل تصبح مشكلة حكامة مؤسساتية تستحق المعالجة من جذورها.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: من يتحمل المسؤولية؟

بل: متى ستقرر وزارة الشؤون الخارجية فتح هذا الملف بكامل الشجاعة المؤسساتية، ووضع قواعد واضحة وموحدة للأعوان المحليين في مختلف القنصليات المغربية عبر العالم؟

ذلك أن احترام القوانين في الخارج يبدأ أولاً من داخل المؤسسات التي تمثل المغرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com