تونس وأزمة الهجرة غير النظامية: هل يصبح العودة الطوعية مدخلاً إلى الحل؟

حنان الفاتحي

العودة الطوعية كخيار لتخفيف الضغط

بروكسل – في واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى تونس، تبدو أزمة الهجرة غير النظامية أمام مقاربة تحاول الجمع بين الاعتبارات الأمنية والحسابات الإنسانية والرهانات الدبلوماسية. فبدلاً من تحويل الملف إلى مواجهة مفتوحة مع المهاجرين أو الانخراط في سياسات الترحيل الجماعي، تراهن السلطات التونسية بشكل متزايد على العودة الطوعية، بالتوازي مع فتح قنوات تعاون مع دول المنشأ والشركاء الدوليين.

وأعلنت وزارة الخارجية التونسية، الجمعة، أن 25 ألفاً و103 مهاجرين غير نظاميين عادوا طوعياً إلى بلدانهم منذ إطلاق آلية العودة الطوعية وإعادة الإدماج سنة 2022، من بينهم 4829 شخصاً منذ بداية العام الجاري، وذلك بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة وممثليتها في تونس. كما غادر عدد آخر من المهاجرين البلاد عبر رحلات جوية تجارية منتظمة.

ولا تعني هذه الأرقام أن تونس تمكنت من إنهاء أزمة الهجرة، لكنها تعكس اتجاهاً متنامياً نحو اعتماد العودة الطوعية باعتبارها إحدى الأدوات العملية لتخفيف الضغط، خصوصاً عندما تقترن بإعادة الإدماج ومساعدة العائدين على استئناف حياتهم في بلدانهم الأصلية.

بين العودة الطوعية والترحيل القسري

تكمن أهمية هذا الخيار في التمييز بين العودة الطوعية والترحيل القسري. فالآلية الأولى تقوم، من حيث المبدأ، على توفير شروط عودة آمنة ومنظمة وكريمة، مع تقديم المساعدة اللازمة للعائدين من أجل إعادة الاندماج في مجتمعاتهم.

أما الترحيل القسري، فيحمل في طياته أبعاداً قانونية وإنسانية وسياسية أكثر تعقيداً، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى توسيع دائرة التوتر بدلاً من احتوائها.

ومن هذا المنظور، تحاول تونس تقديم العودة الطوعية باعتبارها جزءاً من إدارة الأزمة، لا باعتبارها حلاً نهائياً لها. فالمشكلة، في جوهرها، تتجاوز الحدود التونسية، وترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية تدفع آلاف الأشخاص إلى مغادرة بلدانهم بحثاً عن فرص أفضل أو عن قدر أكبر من الاستقرار.

الضغط الأوروبي لا يتراجع

تأتي هذه السياسة في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي الضغط على تونس من أجل تعزيز مراقبة حدودها البحرية والحد من انطلاق قوارب المهاجرين نحو السواحل الأوروبية.

وتحتل تونس موقعاً محورياً في معادلة الهجرة عبر البحر المتوسط، بحكم قربها الجغرافي من إيطاليا. ولذلك أصبحت إدارة هذا الملف جزءاً أساسياً من الحوار التونسي الأوروبي، وسط مطالب أوروبية متزايدة بتشديد الرقابة على شبكات التهريب ومنع عمليات الانطلاق.

غير أن التجربة أثبتت أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي. فكلما شددت السلطات الرقابة على مسار معين، تمكنت شبكات تهريب البشر في كثير من الأحيان من البحث عن طرق بديلة أو تغيير نقاط الانطلاق وأساليب العمل.

ومن هنا تحاول تونس الدفع نحو مقاربة أوسع لا تختزل الهجرة في مراقبة الحدود، بل تربطها أيضاً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المنشأ.

التنمية في دول المنشأ جزء من المعادلة

تدعو تونس شركاءها الأوروبيين إلى توجيه جزء أكبر من الجهود نحو التنمية والاستثمار في البلدان التي ينطلق منها المهاجرون. فخلق فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الاستقرار الاقتصادي، يمكن أن يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل من تمويل إجراءات المراقبة الأمنية وحدها.

فالإنفاق على مراقبة الحدود قد يحد من عدد القوارب في مرحلة معينة، لكنه لا يلغي الدافع الذي يدفع شاباً إلى المخاطرة بحياته في البحر.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في سياسات الهجرة: إغلاق طريق لا يعني بالضرورة إنهاء الرحلة. ففي حال بقيت الأسباب الاقتصادية والاجتماعية قائمة، قد يبحث المهاجرون عن طرق أخرى، ولو كانت أكثر خطورة.

ملف يضغط على الداخل التونسي

ولا تواجه تونس ضغوطاً خارجية فقط. فالملف أصبح أيضاً قضية داخلية شديدة الحساسية، خصوصاً في المناطق التي شهدت تجمعات كبيرة للمهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

وتصاعدت في فترات مختلفة أصوات تطالب بإنهاء وجود المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم، في ظل ضغوط اجتماعية واقتصادية وشعور لدى بعض السكان بأن مناطقهم تحملت جزءاً كبيراً من تبعات الأزمة.

وفي المقابل، تعرضت تونس لانتقادات دولية متكررة بسبب أوضاع المهاجرين وطريقة التعامل معهم، الأمر الذي جعل كل حادث أو تصريح قابلاً للتحول إلى قضية سياسية ودبلوماسية تتجاوز الحدود.

وتحاول السلطات التونسية، في هذا السياق، تجنب تحويل الملف إلى مواجهة إعلامية مفتوحة، خصوصاً أن خطاب الكراهية والتمييز يمكن أن ينعكس سريعاً على علاقات تونس مع الدول الإفريقية، إضافة إلى علاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

أرقام مهمة لكنها لا تحسم الأزمة

ورغم أهمية أرقام العودة الطوعية، فإنها لا تقدم وحدها صورة كاملة عن حجم الظاهرة. فلا تزال الأعداد الإجمالية للمهاجرين غير النظاميين الموجودين في تونس محل تقديرات متباينة، في ظل غياب إحصاء رسمي شامل ومستقر.

وكانت السلطات التونسية قد قدرت، في يناير/كانون الثاني 2025، عدد المهاجرين الموجودين في منطقتي العامرة وجبنيانة بنحو 20 ألف شخص.

وتكشف هذه المعطيات أن العودة الطوعية يمكن أن تخفف الضغط، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة أزمة متعددة المستويات، تتداخل فيها الهجرة والاقتصاد والأمن والعلاقات الإفريقية والأوروبية.

دبلوماسية هادئة في مواجهة أزمة معقدة

تراهن تونس، في نهاية المطاف، على مزيج من الإجراءات الصغيرة والمتراكمة: تنظيم العودة الطوعية، مساعدة العائدين على إعادة الإدماج، تعزيز التعاون مع دول المنشأ، مكافحة شبكات التهريب، والضغط من أجل مقاربة تنموية أوسع.

وقد يكون هذا النهج أكثر واقعية من البحث عن حل سريع لأزمة أصبحت جزءاً من المشهد المتوسطي.

لكن نجاحه سيظل مرتبطاً بقدرة تونس على تحقيق توازن دقيق بين الضغوط الداخلية والانتظارات الأوروبية والالتزامات الإنسانية، وبمدى استعداد الدول الأوروبية للانتقال من منطق تمويل مراقبة الحدود إلى الاستثمار في معالجة جذور الهجرة.

من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها

تدرك تونس أن العودة الطوعية ليست عصا سحرية. لكنها، في المقابل، توفر للدولة أداة عملية لإدارة جزء من الأزمة بعيداً عن مشاهد الترحيل القسري والمواجهة المباشرة.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الآلية إلى عنصر ضمن استراتيجية إقليمية متكاملة، تشارك فيها دول المنشأ ودول العبور والاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية.

فالإجراءات الأمنية قد تمنع قارباً من الوصول إلى البحر، والعودة الطوعية قد تعيد مهاجراً إلى بلده، لكن معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان أصلاً إلى المخاطرة بحياته تتطلب شيئاً أبعد من ذلك بكثير: تنمية، وفرص عمل، واستقرار، وتعاون دولي لا يجعل من البحر المتوسط مجرد خط أمني يفصل بين ضفتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com