بروكسل — خلف الأرقام الرسمية المتعلقة بسوق العمل والهجرة والحماية الاجتماعية، تتوارى أحياناً قصص أسر مهاجرة تكافح بصمت من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. وفي مقدمة هذه الفئات، تبرز الأسر ذات العائل الواحد، ولا سيما النساء المطلقات اللواتي يجدن أنفسهن أمام مسؤولية مزدوجة: إعالة الأطفال من جهة، وتدبير شؤون الأسرة من جهة أخرى، في وقت لم تعد فيه المداخيل المحدودة كافية دائماً لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
هذه الوضعية ليست حكراً على المهاجرين، لكنها قد تصبح أكثر تعقيداً بالنسبة إلى النساء اللواتي يحملن أعباء الهجرة والعمل ورعاية الأطفال في الوقت نفسه، خصوصاً عندما يتراجع الدخل أو يفقدن العمل أو يواجهن مشكلات صحية تحول دون الاستمرار في النشاط المهني.
الأم التي تؤدي دورين
بالنسبة إلى المرأة المطلقة التي تعيل أطفالاً، لا تنتهي مسؤولية العمل عند مغادرة مكان الوظيفة. فهي تعود إلى المنزل لتبدأ وردية أخرى غير مدفوعة الأجر: إعداد الطعام، متابعة الدراسة، تدبير المصاريف، رعاية الأطفال، ومواجهة الالتزامات اليومية التي لا تتوقف.
وفي حالات كثيرة، تصبح المرأة عملياً المعيل الوحيد للأسرة، فتؤدي في آن واحد دور الأم والأب، بينما يظل هامش المناورة المالية ضيقاً للغاية. راتب متواضع قد يكفي لتغطية جزء من الإيجار والفواتير والغذاء، لكنه لا يترك بالضرورة ما يكفي لمواجهة مصاريف الأطفال، النقل، الملابس، العلاج أو النفقات غير المتوقعة.
وتكشف بيانات Statbel أن الأسر ذات الوالد الواحد توجد فعلاً ضمن الفئات الأكثر عرضة للهشاشة المالية في بلجيكا. ففي عام 2025، بلغت نسبة الأسر ذات الوالد الواحد التي واجهت صعوبات في أداء الفواتير في موعدها 9.6%، مقابل 5.9% لدى الأسر المكونة من شخصين بالغين مع أطفال.
الهجرة الثانية… بحثاً عن فرصة أفضل
ضمن هذه الصورة الاجتماعية، تظهر حالات لمهاجرات مغربيات انتقلن من إيطاليا إلى بلجيكا بحثاً عن ظروف أفضل، أو استقرار أكبر، أو فرص مهنية تسمح لهن بإعالة أسرهن.
غير أن الانتقال بين بلدين أوروبيين لا يعني بالضرورة الانتقال من الهشاشة إلى الاستقرار. فقد تصل المرأة إلى بلجيكا وهي تحمل معها تجربة مهنية محدودة، أو وضعاً صحياً صعباً، أو مسؤولية أطفال، ثم تجد نفسها أمام سوق عمل يتطلب مؤهلات أو لغة أو خبرة أو قدرة جسدية لا تكون متوفرة دائماً.
وفي هذه الحالات، يصبح البحث عن وظيفة بدوام مناسب لرعاية الأطفال تحدياً بحد ذاته. فالعمل موجود في بعض القطاعات، لكن ليس بالضرورة بالصيغة التي تحتاج إليها الأم الوحيدة: دوام مرن، أجر كافٍ، مسافة معقولة عن المنزل، وإمكانية التوفيق بين ساعات العمل والمدرسة أو الحضانة.
عندما لا يكفي العمل للخروج من الهشاشة
المفارقة الأشد قسوة أن الحصول على وظيفة لا يعني دائماً الخروج الفوري من دائرة الفقر.
فارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء والنقل ورعاية الأطفال يمكن أن يلتهم جزءاً مهماً من الدخل الشهري، خصوصاً عندما تكون الأسرة قائمة على راتب واحد. ولهذا فإن النقاش حول الفقر لا يمكن اختزاله في سؤال: «هل تعمل المرأة أم لا؟»، بل يجب أن يشمل أيضاً سؤالاً آخر: هل يوفر العمل دخلاً يسمح فعلاً بالعيش الكريم؟
وتشير بيانات Statbel المنشورة في فبراير 2026 إلى أن 16.5% من السكان في بلجيكا كانوا معرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي خلال 2025، بينما بلغت النسبة 28.1% لدى الأسر ذات الوالد الواحد عند قياس الفقر الذاتي، وهي نسبة تفوق بكثير تلك المسجلة لدى الأسر المكونة من شخصين بالغين دون أطفال.
تشديد شروط الدعم يغيّر المعادلة
في السنوات الأخيرة، اتجهت السياسات الاجتماعية وسوق العمل في بلجيكا إلى تعزيز مبدأ العودة إلى العمل وتشديد بعض الشروط المرتبطة بالاستفادة من أنظمة الدعم. ومن منظور السلطات، يرتبط ذلك بمحاولة رفع معدلات النشاط وتقليص فترات البطالة وضمان أن تظل المساعدات شبكة أمان مؤقتة وليست بديلاً دائماً عن العمل.
لكن تطبيق هذه المقاربة يطرح سؤالاً اجتماعياً حساساً: ماذا يحدث للمرأة التي لا تستطيع ببساطة العودة إلى سوق العمل؟
فالأم المطلقة التي لديها أطفال، أو المرأة التي تعاني من وضع صحي يحد من قدرتها على العمل، لا تواجه بالضرورة المشكلة نفسها التي يواجهها شخص قادر على العمل بدوام كامل ويمكنه الانتقال بين الوظائف بسهولة.
وهنا تكمن إحدى أهم ثغرات النقاش: السياسة الاجتماعية تحتاج إلى التمييز بين من يرفض العمل ومن لا يستطيع الوصول إليه أو الاستمرار فيه بسبب ظروف خارجة عن إرادته.
أطفال يدفعون ثمن هشاشة الأسرة
لا تتوقف آثار هذه الأزمة عند المرأة نفسها. فالأطفال يعيشون نتائجها بصورة مباشرة، من خلال تقليص المصاريف الترفيهية، وتأجيل بعض المشتريات، والقلق بشأن الإيجار والفواتير، وأحياناً صعوبة توفير بعض الاحتياجات الأساسية.
وتؤكد الإحصاءات البلجيكية حجم هذه الهشاشة؛ إذ تشير بيانات Statbel إلى أن 28.2% من الأطفال المنحدرين من أسر ذات والد واحد كانوا معرضين للحرمان المادي، وهي نسبة تكشف أن بنية الأسرة نفسها يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في مستوى المخاطر الاجتماعية.
الجالية المغربية أمام تحدٍّ اجتماعي جديد
بالنسبة إلى الجالية المغربية، لا ينبغي النظر إلى هذه الحالات باعتبارها مجرد قصص فردية معزولة. إنها تطرح سؤالاً أوسع حول قدرة المهاجرين من الجيل الأول والأسر التي أعادت ترتيب حياتها داخل أوروبا على مواجهة التحولات الجديدة في سوق العمل ونظام الحماية الاجتماعية.
فالمرأة التي هاجرت في ظروف مختلفة قبل سنوات قد تجد نفسها اليوم أمام واقع اقتصادي وقانوني جديد. وما كان يمثل شبكة أمان في مرحلة سابقة قد يصبح أقل ضماناً في ظل تغير السياسات، بينما لا يكون الانتقال إلى العمل دائماً ممكناً بالسرعة التي تتوقعها الإدارات.
وتزداد صعوبة الوضع عندما تجتمع ثلاثة عوامل في الأسرة نفسها: غياب الشريك، محدودية الدخل، ووجود أطفال يحتاجون إلى الرعاية المستمرة.
منطق الأرقام إلى إنسانية السياسات
ليس المطلوب إلغاء مبدأ المسؤولية أو تحويل نظام المساعدات إلى مصدر دخل دائم، كما أن مكافحة الاستغلال غير المشروع للأنظمة الاجتماعية تظل هدفاً مشروعاً. لكن فعالية السياسة الاجتماعية تقاس أيضاً بقدرتها على حماية من يجدون أنفسهم فعلاً في وضع هش.
فالمرأة التي تبحث عن عمل ولا تجده، أو التي تضطر إلى التوقف عن العمل بسبب وضع صحي موثق، أو التي لا تستطيع قبول وظيفة بسبب غياب حل مناسب لرعاية أطفالها، لا يمكن التعامل معها دائماً وفق النموذج نفسه الذي ينطبق على شخص قادر على العمل دون قيود.
وفي هذا السياق، يصبح المطلوب ليس فقط تشديد شروط الاستفادة، وإنما تطوير حلول أكثر دقة: تكوين مهني يتلاءم مع واقع الأمهات الوحيدات، دعم أكبر للولوج إلى سوق العمل، حلول فعالة لرعاية الأطفال، ومرافقة اجتماعية تمنع الأسرة من السقوط قبل أن تستعيد قدرتها على الاعتماد على نفسها.
الفقر الذي لا يظهر في الشارع
أخطر ما في هذه الظاهرة أنها قد تبقى غير مرئية. فالمرأة قد تذهب إلى العمل، وتعتني بأطفالها، وتدفع إيجارها، وتظهر أمام محيطها وكأنها تعيش حياة عادية، بينما تقضي نهاية كل شهر في حساب ما يمكن تأجيله وما يجب دفعه.
وهذا النوع من الهشاشة لا يظهر دائماً في طوابير المساعدات أو في الإحصاءات اليومية، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة: فاتورة مؤجلة، موعد طبي مؤجل، ملابس أطفال مؤجلة، أو خوف دائم من مصروف غير متوقع.
في النهاية، فإن الحديث عن اندماج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات التشغيل والإقامة والدخل. فخلف كل نسبة مئوية أسرة، وخلف كل رقم امرأة قد تحمل وحدها مسؤولية أطفالها.
وبالنسبة إلى بعض المهاجرات المغربيات، فإن المعركة لم تعد فقط من أجل العثور على وظيفة، بل من أجل أن يكون العمل، إذا وجد، كافياً لتأمين حياة كريمة، وأن تكون شبكات الحماية الاجتماعية قادرة على منع السقوط في الفقر عندما تعجز المرأة مؤقتاً عن العمل.
إنها معركة يومية هادئة، لا تملأ عناوين الصحف عادة، لكنها تكشف أحد أكثر وجوه الهجرة الأوروبية تعقيداً: حين تصبح المرأة مطالبة بأن تكون قوية بما يكفي للعمل، وأمّاً بما يكفي لرعاية أطفالها، ومواطنة ملتزمة بما يكفي لاحترام النظام، بينما لا يضمن لها أي من ذلك بالضرورة حياة مستقرة.