المغرب: حين تتراجع السياسة وتتقدم سياسة المصالح

بوشعيب البازي

في المغرب، لا يبدو النقاش السياسي دائماً مرتبطاً بالمعنى الكلاسيكي للسياسة، أي بتنافس البرامج والرؤى والمشاريع المجتمعية. فالدستور يقر صراحة بأن المملكة ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، ويمنح الأحزاب دوراً في تأطير المواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة.

لكن بين النص الدستوري والممارسة السياسية اليومية، توجد مساحة واسعة تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل نحن أمام سياسة بالمعنى الحقيقي، أم أمام إدارة دقيقة لشبكة من المصالح؟

قد يكون من المبالغة القول إن المغرب لا توجد فيه سياسة. السياسة موجودة، والمؤسسات موجودة، والانتخابات تُجرى، والأحزاب تتنافس، والحكومة والبرلمان يمارسان أدوارهما الدستورية. غير أن طبيعة توزيع النفوذ تجعل السياسة المغربية مختلفة عن النموذج الذي يجعل من البرامج الانتخابية وحدها محدداً رئيسياً للقرار العمومي.

دراسات حديثة حول النظام السياسي المغربي تصفه بأنه نموذج هجين تتعايش فيه المؤسسات المنتخبة مع تأثير قوي للمؤسسة الملكية في تحديد التوجهات الاستراتيجية للدولة.

ومن هنا يمكن فهم العبارة التي أصبحت تتردد في النقاش العام: «ليس هناك سياسة في المغرب، بل سياسة المصالح».

المقصود هنا ليس إنكار وجود العمل السياسي، وإنما الإشارة إلى أن جزءاً مهماً من الحياة السياسية يتحرك وفق منطق المصالح: مصالح الدولة، ومصالح المؤسسات، ومصالح الأحزاب، ومصالح النخب الاقتصادية، ومصالح الأفراد الذين يبحثون عن موقع داخل منظومة النفوذ.

حين تصبح الأحزاب وسيطاً أكثر منها مشروعاً

المشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود المصالح؛ فكل نظام سياسي يعرف صراعاً بين المصالح. المشكلة تبدأ عندما تتحول المصلحة إلى بديل عن المشروع السياسي، وعندما يصبح الوصول إلى القرار أهم من تقديم تصور واضح للمجتمع.

في هذه الحالة، لا يعود السؤال الأساسي: ماذا سنفعل؟ بل يصبح: من يملك القدرة على التأثير؟ ومن يستطيع الوصول إلى مركز القرار؟ ومن يملك شبكة العلاقات التي تسمح له بتحويل نفوذه إلى امتياز أو موقع أو فرصة؟

وهنا تحديداً تظهر أزمة الأحزاب السياسية.

فالأحزاب، وفق الدستور، يفترض أن تؤطر المواطنين، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، وتشارك في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب.

لكن عندما يفقد المواطن الثقة في قدرة الحزب على تغيير السياسات العمومية، يتحول التصويت تدريجياً من اختيار مشروع إلى اختيار أقل سوءاً، أو إلى بحث عن شخص، أو أحياناً إلى عزوف كامل.

وهذا أحد أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الحياة السياسية: أن يصبح المواطن مقتنعاً بأن الانتخابات تغير الوجوه أكثر مما تغير قواعد اللعبة.

سياسة المصالح ليست دائماً فساداً

ومن الضروري هنا التمييز بين سياسة المصالح وبين الفساد.

وجود المصالح في السياسة أمر طبيعي. الدولة نفسها تقوم على التوفيق بين مصالح متعارضة: الاقتصاد والمجتمع، المستثمرون والعمال، المدن والقرى، القطاع الخاص والقطاع العام، المركز والجهات.

المشكلة تظهر عندما تصبح هذه المصالح غير شفافة، أو عندما لا تكون خاضعة للمساءلة، أو عندما يتمكن النفوذ الاقتصادي من التأثير في القرار السياسي بصورة تفوق ما تسمح به القواعد الديمقراطية.

وفي هذا السياق، تشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تقييمها لعام 2026 إلى أن المغرب يمتلك إطاراً قانونياً مهماً في مجال تضارب المصالح، لكنه لا يحدد بشكل كافٍ جميع الحالات التي يمكن أن تنشأ فيها هذه التضاربات ولا العقوبات المطبقة عليها، كما أن المعلومات المتعلقة بمتابعة الحالات المكتشفة والعقوبات ليست متاحة بشكل كامل.

وهذا تحديداً هو جوهر المسألة: ليست المشكلة في وجود المصالح، وإنما في غياب الشفافية الكافية حول كيفية تأثيرها في القرار.

من يحكم؟ ومن يقرر؟

تؤكد الأدبيات السياسية الحديثة حول المغرب أن المؤسسة الملكية تظل فاعلاً مركزياً في تحديد التوجهات الاستراتيجية للدولة، خصوصاً في الملفات الكبرى، بينما تعمل الحكومة والبرلمان داخل هذا الإطار المؤسساتي.

وهذا يجعل السياسة المغربية ذات طبيعة خاصة: هناك مؤسسات منتخبة، وهناك أحزاب، وهناك حكومة وبرلمان، لكن هناك أيضاً مركزاً قوياً للقرار الاستراتيجي.

وبالتالي، فإن اختزال الحياة السياسية المغربية في البرلمان أو الحكومة وحدهما لا يعطي صورة كاملة عن كيفية صناعة القرار.

الأكثر أهمية هو فهم شبكة النفوذ التي تحيط بالقرار: المؤسسات الرسمية، الأحزاب، الإدارة، رجال الأعمال، النخب المحلية، الفاعلون الاقتصاديون، والمجموعات ذات القدرة على التأثير.

ومن هنا يصبح مفهوم «سياسة المصالح» أكثر تفسيراً من مفهوم «الصراع السياسي» وحده.

حين يصبح الولاء أكثر أهمية من الكفاءة

أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذا الوضع هو أن تتحول السياسة من مجال للتنافس بين الأفكار والكفاءات إلى مجال لإعادة توزيع المواقع والنفوذ.

عندها يصبح السؤال عن الشخص أهم من السؤال عن المشروع، والعلاقة أهم من البرنامج، والقدرة على الوصول إلى مركز القرار أهم من القدرة على إقناع المواطن.

والنتيجة تكون مؤسسات موجودة من الناحية الشكلية، لكنها تعاني من ضعف قدرتها على إنتاج نخب سياسية مستقلة وقادرة على صياغة بدائل حقيقية.

وقد أشارت تحليلات سياسية حديثة إلى ضعف تأثير الأحزاب مقارنة بالدور المركزي للمؤسسة الملكية، وإلى أن جزءاً من التنافس الحزبي يجري داخل حدود سياسية مرسومة مسبقاً.

السياسة التي يحتاجها المغرب

المغرب لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات السياسية بقدر ما يحتاج إلى سياسة حقيقية؛ سياسة تجعل المواطن طرفاً في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للبرامج السياسية، وتقوية المؤسسات المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية في تضارب المصالح، وإعطاء الأحزاب قدرة أكبر على إنتاج النخب والكفاءات، لا مجرد إعادة تدوير الوجوه نفسها.

فالدستور نفسه يجعل من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة من المبادئ الأساسية للنظام الدستوري.

المطلوب، إذن، ليس إلغاء سياسة المصالح، فهذا أمر غير ممكن في أي مجتمع، وإنما إخضاع المصالح للقانون والمؤسسات والشفافية.

فالدولة الحديثة لا تُقاس بغياب المصالح من سياستها، وإنما بقدرتها على منع المصالح الخاصة من التحول إلى سياسة عامة.

وفي النهاية، قد تكون العبارة الأكثر دقة هي أن المغرب لا يعاني من غياب السياسة، بقدر ما يعاني من سؤال أعمق حول طبيعة السياسة التي تُمارس، ومن يخدمها القرار، وكيف تُوزَّع ثمارها.

وهنا يصبح الإصلاح السياسي الحقيقي ليس مجرد تغيير الحكومات أو الأحزاب، وإنما الانتقال من سياسة الأشخاص والمصالح إلى سياسة المؤسسات والمشاريع.

ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي ديمقراطية: ليس أن تكون لها مؤسسات فقط، وإنما أن يشعر المواطن بأن صوته قادر فعلاً على التأثير في اتجاه الدولة وفي شكل مستقبله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com