تندوف على وقع صراع الخلافة.. البشير مصطفى السيد يعلن مواجهة إبراهيم غالي ويكشف تصدعات داخل قيادة البوليساريو
بوشعيب البازي
تسجيل صوتي منسوب إلى شقيق مؤسس الجبهة يعيد فتح ملفات الخلافات التاريخية، ويضع حصيلة القيادة الحالية أمام انتقادات غير مسبوقة
أعاد تسجيل صوتي منسوب إلى البشير مصطفى السيد، أحد الوجوه التاريخية لجبهة البوليساريو ورئيس ما يسمى البرلمان الصحراوي، إثارة الجدل داخل مخيمات تندوف، بعدما أعلن عزمه منافسة الأمين العام الحالي إبراهيم غالي خلال المؤتمر السابع عشر المرتقب. ولم تقتصر تصريحاته على إعلان الترشح، بل تضمنت انتقادات حادة لطريقة تدبير التنظيم، واتهامات تتعلق بالحصيلة السياسية والعسكرية للقيادة الحالية، فضلاً عن التلويح بوجود تفاهمات سابقة لم يتم الالتزام بها.
ويأتي هذا التصعيد في سياق تتزايد فيه المؤشرات على احتدام التنافس بشأن مستقبل القيادة، خصوصاً أن البشير مصطفى السيد يستند في خطابه إلى موقعه التاريخي داخل الجبهة، وإلى علاقته العائلية بالوالي مصطفى السيد، مؤسس التنظيم. وهي معطيات يوظفها لتقديم نفسه باعتباره أحد الشهود على المراحل الأولى من تشكل مؤسسات البوليساريو وتطور مراكز القرار فيها.
خلافات تعود إلى مرحلة التأسيس
وفي استعادته لمحطات من تاريخ التنظيم، توقف البشير عند سنة 1989، معتبراً أن موقفه آنذاك ساهم في تفادي انهيار داخلي كان من الممكن أن يهدد استمرارية الجبهة. وقال إنه اختار تحمل تبعات الأزمة بدلاً من أن تكون على حساب محمد عبد العزيز، الذي تولى قيادة التنظيم لسنوات طويلة.
وقدم المتحدث روايته لتلك المرحلة باعتبارها دليلاً على حجم النفوذ الذي كان يتمتع به داخل دوائر القرار، مشيراً إلى أن محمد عبد العزيز كان يستشيره في عدد من الملفات، وأن القرارات الحكومية لم تكن تتخذ، بحسب قوله، بمعزل عن رأيه. كما أكد أنه لم يكن يسعى إلى احتكار السلطة أو الموارد، في محاولة لإبراز دوره السابق في تدبير التوازنات الداخلية.
وتكشف العودة إلى هذه المرحلة أن الخلاف الحالي لا يرتبط فقط بتقييم أداء إبراهيم غالي، بل يمتد إلى تصورات متباينة بشأن من يملك الشرعية التاريخية والسياسية داخل التنظيم، ومن يحق له التأثير في تحديد مستقبله.
تشكيك في الرواية التاريخية لإبراهيم غالي
ومن أكثر الجوانب إثارة للانتباه في التسجيل، تشكيك البشير مصطفى السيد في الدور النضالي والتاريخي المنسوب إلى إبراهيم غالي خلال المراحل الأولى لنشأة الحركة. إذ قال إن الأخير كان يشتغل، وفق روايته، في وظيفة ذات طابع إداري وشرطي ضمن مفرزة إسبانية بالسمارة، معتبراً أن مشاركته في مظاهرة الزملة سنة 1970 لم تكن مرتبطة بمهمة تنظيمية أو موقع قيادي.
كما استند إلى ما وصفه بظروف مراقبة غالي عقب تلك الأحداث، مشيراً إلى أنه لم يتعرض للاعتقال في السجون التي تحدث عنها، بل ظل خاضعاً لإجراءات رقابية تلزمه بالتبليغ اليومي عن نفسه.
وفي السياق ذاته، أشار إلى سالم لبصير باعتباره أحد المسؤولين عن الحركة الطليعية، مستبعداً أن يكون إبراهيم غالي قد حظي بموقع متقدم ضمن الدائرة المقربة من سيد إبراهيم بصيري. وربط موقفه بتقييم سلبي للمستوى التعليمي والفكري لغالي في تلك المرحلة.
وتظل هذه المعطيات جزءاً من رواية طرف في صراع سياسي داخلي، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق تاريخية محسومة من دون الرجوع إلى الوثائق والشهادات المستقلة التي تؤكدها أو تدحضها.
انتقادات للحصيلة العسكرية والسياسية
على المستوى العسكري، اتهم البشير مصطفى السيد القيادة الحالية بسوء تقدير الإمكانات المتاحة للتنظيم، معتبراً أن إبراهيم غالي خاض المواجهة من دون معرفة كافية بالمخزون والإمكانات اللوجستية والعسكرية.
أما سياسياً، فقد رسم صورة قاتمة لوضع الجبهة، قائلاً إنها وصلت إلى مرحلة من الضعف والتراجع، وأصبحت محصورة في تدبير شؤون المخيمات ومراكزها، من دون تحقيق مكاسب ملموسة على مستوى التحركات الخارجية أو المواجهة العسكرية التي أعلنت استئنافها.
وتندرج هذه الانتقادات ضمن تقييم أوسع لسنوات قيادة إبراهيم غالي، التي يعتبرها خصومه داخل التنظيم مرحلة اتسمت بتراجع الفاعلية السياسية والعسكرية، في وقت لم تنجح فيه القيادة، بحسب منتقديها، في تحويل خطاب المواجهة إلى نتائج ميدانية أو دبلوماسية واضحة.
«ولايات ضائعة» ومطالبة بمحاسبة القيادة
وكانت الحصيلة السياسية لقيادة إبراهيم غالي محوراً أساسياً في خطاب البشير، الذي تحدث عن ثلاث ولايات وصفها بالضائعة، ورابعة اعتبرها كارثية، منتقداً غياب الاعتراف بالإخفاقات أو تقديم اعتذار بشأنها.
وقال إن المسؤولية عن الاختلالات لا تقع على شخص واحد، لكنه شدد في المقابل على أن القيادة تتحمل المسؤولية الأساسية عن إدارة الأزمات والبحث عن مخارج لها، باعتبارها الجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرار وتحديد التوجهات العامة.
ويحمل هذا الخطاب دلالات تتجاوز مجرد الانتقاد الشخصي، إذ يعكس محاولة لفتح نقاش حول شرعية استمرار القيادة الحالية، ومدى قدرتها على إقناع القواعد التنظيمية بجدوى تجديد الثقة فيها خلال المؤتمر المقبل.
الصراع الداخلي في ظل تحولات ملف الصحراء
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى السياق الدولي الذي يشهده ملف الصحراء، ولا سيما النقاشات الجارية داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل التسوية السياسية. فقد أصبح مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب تحت سيادته محوراً أساسياً في التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إيجاد تسوية واقعية ودائمة للنزاع.
وتشير مضامين مشروع القرار الأمريكي المتداول، وفق الصيغة المنقحة المشار إليها في المعطيات المتاحة، إلى توجه نحو اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للتفاوض، وهو ما يعكس التحول الذي يعرفه النقاش الدولي بشأن طبيعة الحل السياسي الممكن.
وفي ظل هذه المستجدات، تواجه قيادة البوليساريو تحديين متزامنين: أولهما داخلي، يتعلق بتدبير صراع الخلافة وتراجع الثقة في حصيلة القيادة؛ وثانيهما خارجي، يرتبط بتغير موازين النقاش الدبلوماسي وتزايد الضغوط من أجل التوصل إلى تسوية سياسية.
وبين إعلان البشير مصطفى السيد منافسة إبراهيم غالي، وفتح ملفات تعود إلى مرحلة التأسيس، يبدو أن الخلاف داخل الجبهة تجاوز حدود التنافس على منصب الأمين العام، ليطال الرواية التاريخية للتنظيم ومشروعية قيادته وخياراته المستقبلية.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان المؤتمر السابع عشر سيشكل مناسبة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل البوليساريو، أم أن الخلافات المتراكمة ستتحول إلى مواجهة أعمق تكشف حجم التصدعات التي ظلت لسنوات بعيدة عن الواجهة.