عيد الوحدة في بروكسل.. حين تصبح الدبلوماسية أسيرة الكلمات المحفوظة والاحتفالات المتشابهة
بعد أحد عشر عاماً من الحضور الدبلوماسي، يبدو أن الجالية المغربية في بلجيكا باتت تعرف فقرات الخطاب قبل أن يمسك السفير محمد عامر بالميكروفون. هذه المرة، أضيفت الموسيقى والرقص إلى الوصفة المعتادة، في محاولة لمنح المشهد إيقاعاً مختلفاً. لكن هل يكفي تغيير الموسيقى لتجديد الخطاب؟
لم يكن تنظيم سفارة المملكة المغربية ببروكسل احتفالاً بعيد الوحدة، يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، مجرد مناسبة بروتوكولية عادية. فقد اختارت السفارة أن تحتفي للمرة الأولى بهذه المناسبة، تزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لاعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797.
غير أن السؤال الذي يستحق النقاش لا يتعلق بعدد الحاضرين، ولا بمستوى الضيافة، ولا حتى بالبرنامج الفني، وإنما بما إذا كانت الدبلوماسية المغربية في بلجيكا قد استطاعت، بعد سنوات من المناسبات المتكررة، أن تقدم للجالية مضموناً جديداً يتجاوز الصور الجماعية والخطابات البروتوكولية.
أحد عشر عاماً.. والسيناريو يكاد لا يتغير
بالنسبة إلى عدد من أفراد الجالية الذين اعتادوا حضور الأنشطة التي تنظمها السفارة، لم تعد المفاجآت كثيرة. فالمكان مألوف، والوجوه تتكرر، والشخصيات نفسها تتبادل التحيات، فيما تبدو الكلمات الرسمية وكأنها تنتقل من مناسبة إلى أخرى مع تعديلات محدودة في العناوين والتواريخ.
ومع استمرار السفير محمد عامر في منصبه ببروكسل منذ سنوات، أصبح بعض الحاضرين يتعاملون مع الخطاب الرسمي بشيء من التوقع المسبق. بل إن السخرية المتداولة بين بعض أبناء الجالية تختصر المشهد في عبارة لافتة: يكفي الاحتفاظ بصورة من إحدى الحفلات، ثم مقارنتها بصورة من الحفل الموالي؛ وقد لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق لاكتشاف أن الاختلاف الأكبر ربما يكمن في عنوان المناسبة.
والمشكلة هنا ليست في حضور السفير محمد عامر المتكرر، فتمثيل الدولة يقتضي الحضور والتواصل، وإنما في أن يتحول الحضور إلى غاية في حد ذاته، بينما يظل التواصل مع الجالية محصوراً في المناسبات الرسمية، من دون أن يواكبه بالقدر نفسه تجديد في الخطاب أو انفتاح على الأسئلة التي تشغل المغاربة المقيمين ببلجيكا.
حين تحتاج الكلمات إلى إيقاع موسيقي
في احتفال هذه السنة، بدا أن المنظمين قرروا إدخال عنصر إضافي إلى الوصفة المعتادة: الموسيقى والرقص.
فقد تضمن البرنامج عروضاً فنية قدمتها مجموعة «ميدينا سوينغ» (Medina Swing) من الدار البيضاء، والفنانة زينب أفيلال رفقة مجموعة «النهضة» (Nah’da Ensemble)، إلى جانب مجموعة الحضرة الشفشاونية.
ولا جدال في القيمة الثقافية لهذه الألوان الموسيقية، ولا في أهمية الاحتفاء بالتنوع الفني المغربي داخل الفضاء البلجيكي. فالفن جزء أصيل من الدبلوماسية الثقافية، ومن حق الجمهور المغربي أن يستمتع بتراث بلاده بعيداً عن جفاف البروتوكول.
لكن المفارقة أن الموسيقى، مهما ارتفع إيقاعها، لا تستطيع أن تعوض غياب التجديد في مضمون التواصل. وإذا كانت الكلمات الرسمية قد أصبحت مألوفة إلى درجة أن بعض الحاضرين يستطيعون توقع مسارها، فإن إضافة الشطيح والرديح قد تمنح الأمسية حيوية أكبر، لكنها لا تمنح الخطاب الدبلوماسي بالضرورة مضموناً جديداً.
بعبارة أخرى، يمكن للموسيقى أن تنقذ إيقاع الحفل، لكنها لا تستطيع وحدها تجديد العلاقة بين المؤسسة والجالية.
فالمغاربة المقيمون ببلجيكا لا ينتظرون من سفارتهم أن تكتفي بدعوتهم إلى الحفلات، مهما كانت فخامة تنظيمها. هناك أسئلة يومية تتعلق بالخدمات القنصلية، والمواعيد، والوثائق الإدارية، ومشاكل بعض المرتفقين، ومواكبة الطلبة والشباب، ودعم الكفاءات المغربية، وإشراك الجمعيات المستقلة في الحياة المؤسساتية.
كما أن الجالية ليست مجرد جمهور يُستدعى عند تنظيم مناسبة وطنية، ولا مجرد خلفية مناسبة لالتقاط الصور الرسمية. إنها مكون بشري واقتصادي وثقافي يمتلك خبرات ومبادرات وانتظارات، ويحتاج إلى قنوات تواصل منتظمة تتجاوز الاستقبالات الموسمية.
ومن هنا، فإن نجاح أي احتفال لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الكراسي المشغولة أو ساعات البرنامج الفني، بل بما يتركه من أثر بعد مغادرة آخر مدعو.
الدبلوماسية ليست ألبوم صور
لا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية عيد الوحدة، ولا من رمزية القرار الأممي 2797، ولا من الجهد التنظيمي الذي بذلته السفارة. بل إن مناسبة بهذا الحجم كانت فرصة مناسبة لتقديم خطاب أكثر ارتباطاً بالواقع، يفتح نقاشاً حول موقع مغاربة بلجيكا في السياسات الموجهة إلى مغاربة العالم، ويمنح الفاعلين الجمعويين والطلبة والكفاءات مساحة حقيقية للتعبير والمشاركة.
أما الاكتفاء بتدوير الوجوه نفسها والكلمات نفسها، فيخاطر بتحويل العمل الدبلوماسي إلى نشاط اجتماعي مغلق، تتكرر فيه المناسبات بينما تظل بعض الأسئلة معلقة.
ولعل أكثر ما تحتاج إليه المرحلة هو أن ينتقل السفير محمد عامر من دبلوماسية المناسبات إلى دبلوماسية التواصل اليومي، وأن تكون لقاءاته مع أبناء الجالية مناسبة للاستماع والمساءلة وتقديم الأجوبة، لا مجرد فرصة جديدة لتكرار الرسائل الرسمية.
عطلة نهاية الأسبوع في الحسابات الاحتفالية
ومن التفاصيل التي تستحق التوقف عندها اختيار يوم الخميس 29 أكتوبر لتنظيم الاحتفال، في سياق يراعي إتاحة المجال للاستفادة من عطلة نهاية الأسبوع. وهو اختيار تنظيمي قد تكون له مبرراته العملية، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً حول طبيعة الجمهور المستهدف: هل صُممت المناسبة أساساً لتكون لقاءً مع الجالية، أم أمسية احتفالية تتلاءم مع جدول الشخصيات المدعوة والبرنامج البروتوكولي؟
فالجالية التي يُطلب منها أن تكون حاضرة في كل مناسبة وطنية، تستحق بدورها أن تجد في البرمجة مراعاة لظروفها المهنية والعائلية، وأن تكون مشاركتها جزءاً من تصور واضح، لا مجرد رقم يضاف إلى البلاغ الختامي.
في النهاية، قد ينجح الاحتفال، وقد تنجح الموسيقى في دفع الحاضرين إلى الرقص والتصفيق، لكن الاختبار الحقيقي للدبلوماسية لا يبدأ عند تشغيل الموسيقى، بل بعد إطفاء الأضواء.
أما إذا كان المشهد سيظل على حاله، فلا غرابة أن يصبح بعض أبناء الجالية قادرين على التعرف إلى المناسبة المقبلة من الخطاب السابق، وأن يكتفوا بتغيير التاريخ عند حفظ الصور.
فبعد أحد عشر عاماً، لم يعد السؤال كم مناسبة نظمت السفارة، ولا كم مرة اعتلى السفير محمد عامر المنصة، بل كم فكرة جديدة قدمتها، وكم باباً فتحته أمام الجالية، وكم مشكلة ساهمت في حلها.
ذلك هو الفارق بين سفارة تنظم الاحتفالات، وسفارة تنجح في تمثيل مواطنيها. وبين دبلوماسية تكتفي بالتصفيق، وأخرى تستحق أن يُصغى إليها.