عيد بلا أضاحٍ… وغرباء بلا عودة

بوشعيب البازي

في المغرب هذا العام، يبدو أن عيد الأضحى قد خلع جلبابه المعتاد، وارتدى ثوبًا من الحياد الرمزي والغياب الحسي، بعد أن جاء مختلفًا في شكله، ومضطربًا في روحه. ليس بسبب ضيق الجيوب أو غلاء الأكباش فقط، بل استجابةً لتوجيه ملكي سامٍ يدعو إلى ترك النحر، في ظرفية وطنية دقيقة، تستدعي من المغاربة روح التضامن أكثر من أي وقت مضى.

القرار الذي حمل في طياته الكثير من الحكمة، لم يكن سهلًا على نفوس اعتادت أن تربط العيد ببهجة “الحولي”، وروائح الشواء، ولمة العائلة حول مائدة لحم طازج. فقد اختار الملك محمد السادس أن يذبح المغاربة هذه السنة كبش العادة من أجل كرامة الأمل، وألا يتشبثوا بطقس قد يتحول إلى عبء على الأسر، وإلى مظهر تضخم اجتماعي في ظرفية لا تحتمل إلا البساطة.

لكن بعيدًا عن حدود الوطن، هناك جرح آخر ينبض بالغصة ، أبناء المهجر.

في كل عيد، تعود الروح إلى قرى الجبال، وحارات المدن، وسهول الأطلس، بفضل عودة المهاجرين المغاربة من بلدان الغربة، حاملين الهدايا، وأشواقهم، وصورًا تخلد “العيد الكبير” مع الأهل والأحباب. غير أن عيد هذا العام، ولأول مرة منذ زمن بعيد، يشهد غيابًا ملحوظًا لهم، عزته معظم الأسر إلى “انعدام الحافز الرمزي”، لا أضحية، لا نحر، لا رائحة قِدرة الشواء!

عبد السلام، مهاجر من قرية نائية في شفشاون، اختار أن يبقى في إسبانيا، معلنًا أن “العيد بلا ذبيحة مثل العرس بلا عروس”. كلمات تختصر شعورًا جمعيًا يتردد بين آلاف المغاربة بالخارج، ممن اعتادوا على جعل عيد الأضحى مناسبة سنوية للعودة، ولإحياء الروابط العائلية.

في الجنوب، بمدينة أكادير، تتردد الأم آمنة بين ابتسامة ساخرة ودمعة خفية، وهي تسرد لنا كيف قرر ابنها في فرنسا تأجيل العودة إلى الصيف، قائلًا لها ، “عيد بلا حولي ما يسواش تكيت الطيارة”. وعلى غرار عبد السلام، قرر كثيرون إرجاء زياراتهم إلى شهري يوليوز وغشت، حيث البحر يعوض ما لم تسعه الطقوس.

في طنجة المتوسط، لم تُسجّل ملامح زخم استثنائي، ولا حركة غير معتادة. مصدر في الميناء أكد ذلك قائلًا ،“لا مؤشرات على تدفق الجالية كما جرت العادة في فترة العيد… ربما لأن العيد هذه السنة خالٍ من اللحم، وخالٍ من نكهة العودة”.

لكن، رغم ذلك، ثمة ما هو أعمق من الغياب وأبلغ من الامتناع: هو الالتفاف حول قرار دولة اختارت أن توفّر عن شعبها عبء العادة، وأن تراهن على وعي الناس، لا على بهرج الطقوس. المغاربة، كعادتهم، تجاوبوا. “سيدنا قال منذبحوش، حنا سمعنا وطعنا”، تردّد آمنة. وعبد السلام، من غربته، يضيف: “نرجع فالعطلة، ولكن العيد نحتفل به في القلب”.

في انتظار عيد مقبل، لا تكون فيه التضحية رمزية، بل مكتملة، تظل هذه السنة استثناءً في ذاكرة المغاربة، وتذكرة بأن الفرح ليس دائمًا في اللحم، بل أحيانًا في الحكمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com