في الجزائر الجديدة ـ أو بالأحرى الجزائر المعقمة من المبادرة ـ لم يعد للوزير من وزارته سوى اللوحة النحاسية المعلقة على الباب. وثيقة رسمية نزلت كالصاعقة، كشفها الصحفي المنفي عبدو سمار، تفضح نظامًا بات فيه الوزير مجرد موظف ممتاز في استقبال البريد، يوقّع ما يُملى عليه، ويبتسم للصورة الرسمية، وينتظر التعليمات من فوق.
الوثيقة، الموقعة بتاريخ 19 يونيو 2025 من طرف الوزير الأول نذير العرباوي، تبدو وكأنها كُتبت في عهد بريجنيف أو على طابعة من نوع Olivetti كانت تستعملها المخابرات أيام الحرب الباردة. تقول بوضوح: «لا يحق لأي وزير اتخاذ أي قرار يخص التعيين أو الإقالة، إلا بعد الحصول على موافقة المصالح المختصة التابعة لرئاسة الجمهورية». باختصار، وزير الثقافة لا يستطيع تغيير رئيس مصلحة الفلكلور، ووزير النقل يحتاج ترخيصًا لتغيير سائق الشاحنة رقم 12.
مرحبا بكم في الجزائر، حيث الوزير مدير فرعي برتبة وزير، والحكومة ورشة ميكانيك بلا مفاتيح.
ولأن كل قرار يجب أن يمر من الفلتر الرئاسي، تتحوّل الحكومة إلى مسرح للدمى: كل وزير ينتظر حبلا خفيا يشد يده ليرفعها في المجلس. أما رئيس الحكومة، فدوره أقرب إلى السكرتير العام لدى السيد الرئيس، يحرص على تطبيق خطة الإدارة الرئاسية للحكومة، المعروفة اختصارًا بـ«خطة: لا أحد يتحرك!».
حكومة كارتونية بتقنية التحكم عن بعد
عبد المجيد تبون، الذي يوقّع كل شيء من التعيينات حتى تغيير طاقم النظافة، يبدو وكأنه يسير البلاد من خلال ريموت كنترول يشتغل بالبطاريات الرئاسية القابلة للتلف. أي خلل في الاتصال؟ تتوقف الدولة.
والمضحك ـ المبكي ـ أن هذا النمط لم يعد مفاجئًا لأحد. فالسلطة في الجزائر، كما يعرف القاصي والداني، لا تُفهم إلا من خلال منطق الريبة: «خلي الجميع تحت السيطرة، لا تثق في أحد، حتى في نفسك». ولهذا، فالوزير ممنوع من الثقة في مدير ديوانه، والمدير ممنوع من تعيين كاتبة دون مباركة المرادية، وإذا عُيّن أحدٌ دون موافقة، فمصيره الطرد بتهمة «عدم احترام السلم الرئاسي».
الوزير في الجزائر: ظِلّ ثقيل في ممرات بلا قرارات
في الدول التي تحترم عقلها، الوزير يُحاسب لأنه مسؤول عن وزارته، يُقيّم بناءً على أداء فريقه، يُكلَّف برؤية، ويُعطى الأدوات لتنفيذها. أما في الجزائر، فوزراؤنا يُحاسبون إذا فكروا خارج المنشور 42/تبون.
فلماذا إذًا نعين وزراء؟ لماذا لا نضع لافتات كبيرة أمام كل وزارة مكتوب عليها: «نعتذر عن الإزعاج، القرارات تُطبخ في قصر المرادية»؟ ألن يكون ذلك أوفر من مرتبات الوزراء، وسفرياتهم، ومرافقيهم الذين لا يرافقون سوى صمتهم الطويل؟
إن ما نعيشه اليوم هو بيروقراطية مغلقة في قالب جمهوري، نظام أقرب إلى المتحف منه إلى الدولة، حيث كل شيء محفوظ، مرمم، لا يُلمس.
دولة تُسيّر بالخوف: لا تنفّذ… انتظر الموافقة
هكذا تُشلّ مؤسسات بأكملها، لا لشيء سوى لأن السلطة التنفيذية تُدار بمنطق «أنا الدولة، والباقي ديكور». لا يهم كم عدد الوزراء، ما دامت رئاسة الجمهورية ترى فيهم خطرًا محتملاً. لا يُسمح لأحد بتكوين طاقم كفؤ، أو طرح فكرة، أو حتى التنفس بغير إذن.
وهنا، كما قال عبدو سمار: «لدينا 35 وزيرًا يمكن الاستغناء عنهم جميعًا دون أن يشعر أحد بالفرق».
الهاشتاغ يقول كل شيء
#الجزائر_الجديدة_بنظام_التحكم_عن_بعد