تهديد أوروبي خيارات العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ما بعد بريكست
تستفيد النرويج من علاقة اقتصادية وتجارية متقدمة جدا مع الاتحاد الأوروبي، بما أنها عضو في الفضاء الاقتصادي الأوروبي. وتملك حق الوصول إلى السوق الموحدة وهي ملزمة باحترام حرية تنقل الأشخاص والخدمات والسلع ورؤوس الأموال، من دون أن يكون لديها حق إبداء رأيها. ويستثني الاتفاق المنتجات الزراعية والمتعلقة بصيد السمك. بالإضافة إلى العلاقات التجارية، انضمت النرويج إلى قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن المساعدات الحكومية والمنافسة والأسواق العامة، إلا أنها ليست جزءا من الاتحاد الجمركي. وترفض الحكومة البريطانية هذا النموذج وتعارض حرية تنقل الأشخاص.
◄ اتفاق على الطريقة الكندية: بناء على “الخطوط الحمراء” التي وضعتها لندن برفضها السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، أعلن الاتحاد الأوروبي أن اتفاق التبادل الحرّ المبرم مع كندا (الاتفاق الاقتصادي والتجاري الشامل “سيتا”) قد يكون نموذجا لعلاقته المستقبلية مع بريطانيا. ولا يلغي هذا الاتفاق الرسوم الجمركية فحسب، إنما يضع أيضا معايير مشتركة بشأن الصحة ومراقبة تسمية المنشأ والأسواق العامة. ويُبعد مثل هذا الاتفاق البريطانيين بشكل كبير عن الاتحاد الأوروبي، وقد يتطلب مثلما حصل مع كندا، سنوات من المفاوضات للتوصل إلى توافق حول درجة تنسيق ونسبة رسوم جمركية. لكن لندن تتمنى التوصل إلى اتفاق “طموح أكثر” من الاتفاق مع كندا يضمّ الخدمات المالية، الأمر الذي ترفضه بروكسل.
◄ تسوية ماي: تفكر تيريزا ماي باتفاق جمركي جديد يقضي بأن تطبق المملكة المتحدة على السلع التي تنتقل من أراضيها باتجاه الاتحاد الأوروبي، القواعد والرسوم الجمركية التي تطبقها بروكسل في سياستها التجارية مع الدول الأخرى. وستُدفع المبالغ التي تجمعها الجمارك البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي. ويمكن للمملكة المتحدة أن تحدد رسوما جمركية خاصة بها للبضائع التي تدخل إلى أراضيها. اقترح مركز الإصلاح الأوروبي حلا مماثلا أطلق عليه تسمية حل جيرسي، يعيد تكرار التسهيلات الممنوحة إلى هذه الجزيرة وهي إحدى جزر القنال البريطاني. ويقضي هذا الاقتراح بإبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الجمركي لتنقل السلع ورؤوس الأموال، لكنه يستثني الخدمات وحرية تنقل الأشخاص.
◄ قواعد منظمة التجارة العالمية: في حال فشلت المفاوضات، ستصبح المملكة المتحدة بين ليلة وضحاها دولة ثالثة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. لن تصبح علاقتهما محكومة إلا بقواعد منظمة التجارة العالمية. وتفرض هذه القواعد تلقائيا رسوما جمركية وقيودا على التجارة، ستعوق التبادلات بين لندن وأوروبا. وتقدّر كلية لندن للاقتصاد في دراسة أن هذا السيناريو سيقلّص التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بنسبة 40 بالمئة على عشر سنوات.
في وسط كل هذا الزخم، لا يزال الاتحاد الأوروبي يصر على أن النقطة الأساسية المهمة بالنسبة إليه في التفاوض هي مسألة أيرلندا الشمالية.
وفي مارس الماضي توصل الجانبان إلى صيغة “الحل النهائي”، التي تنص على أنه إذا لم يتم العثور على حل أفضل، فستمنح أيرلندا الشمالية صفة خاصة تبقيها كعضو في الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة الأوروبيين، دون غيرها من مقاطعات المملكة المتحدة.
والهدف من هذا الاتفاق ضمان عدم بناء حدود على الجزيرة الأيرلندية (بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا). ويعني ذلك إقامة حدود ووكالة التفتيش على البضائع والهجرة على حدود جديدة في بحر أيرلندا (بين أيرلندا الشمالية وباقي الأراضي البريطانية).
لكن المتشددين المناصرين لبريكست عادوا ورفضوا هذا الاقتراح. وتقول مصادر إن ماي نفسها تظل مشككة تماما في هذا الخيار، إذ تعتبره على نطاق واسع “الخطوة الأولى نحو انفصال أيرلندا الشمالية عن بريطانيا”.
ويضرب هذا الاعتقاد مبدأ “الوحدوية” بين أجزاء بريطانيا. ولا يؤثر ذلك على التحالف بين حزب المحافظين والحزب الوحدوي الديمقراطي في أيرلندا الشمالية فحسب، لكن أيضا يضرب الأسس التي قامت عليها شخصية حزب المحافظين طوال قرون.
ومبدأ الوحدوية كالجينات الثابتة بالنسبة للمحافظين. وإذا اقتربت أيرلندا الشمالية من الانفصال عن بريطانيا، فقد يقود ذلك إلى انقسام الحزب أو انهياره.
ونفس الشيء بالنسبة لحزب العمال المعارض، الذي لم يتمكن من العودة إلى الحكم، ومني بهزيمة من “أضعف رؤساء الوزراء المحافظين على الإطلاق”، بعدما خسر قواعده الانتخابية الحاسمة في اسكتلندا.
وإذا ما دعم حزب العمال هذا الاقتراح، فعليه ألا يأمل في أن يكسب أي انتخابات مبكرة قد تجرى قبل الانتخابات البرلمانية المقررة عام 2021، إذ لن يحظى الحزب حينها بدعم الناخبين الاسكتلنديين الذين صوتوا بأغلبية، في استفتاء 2016، على البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.
كما يظل الخلاف على العلاقات المستقبلية قائما. ويقول الأوروبيون إن الحكومة البريطانية تريد أن تنتقي شكل العلاقات بما يناسبها فقط، وهو ما يؤثر على المبادئ الأساسية التي قامت عليها الاتفاقات الأوروبية، منذ خمسينات القرن الماضي.

فعلى سبيل المثال، ينص اتفاق السوق المشتركة على الحريات الأربع (حرية تنقل الأفراد، والبضائع، والخدمات، ورؤوس الأموال)، لكن بريطانيا تريد انتقاء الاستفادة فقط من حرية تنقل البضائع، وتترك باقي الحريات.
وإذا قبل الاتحاد الأوروبي بهذا المقترح، فسيفتح الباب أمام دول أوروبية أخرى، تشهد صعودا لتيارات اليمين المتطرف المعادية للاتحاد، والتي تطالب قواعدها بالانفصال على غرار بريطانيا، وسيكون قد غامر بالمبادئ الأساسية التي قام عليها الاتحاد.
وبالفعل رفضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاقتراح البريطاني، الذي لا يزال يحظى بمناقشات موسعة في لندن إلى اليوم.
وتريد بريطانيا حرية تحرك البضائع فقط لسببين محددين، وهما ضمان إغلاق الحدود في وجه المهاجرين الأوروبيين من العمالة الرخيصة، الذين أغرقوا بريطانيا مؤخرا، خصوصا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. وحول ذلك قضية الهجرة إلى المحور الأساسي لتصويت الناخبين البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
والسبب الثاني هو تجنب دفع مبالغ طائلة للاتحاد الأوروبي كل عام، وصلت عام 2015 إلى أكثر من 18 مليار جنيه إسترليني في العام. كما سيساعد ذلك بريطانيا على تجنب أحكام وقرارات المحكمة الأوروبية، وهو ما سيعيد السيادة المطلقة للنظام القضائي البريطاني والبرلمان.
كما يريد الاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاق نهائي، بحلول القمة الأوروبية التي من المقرر أن تنعقد في أكتوبر المقبل، مصحوبا بإعلان حسن نوايا في ما يخص العلاقات المستقبلية.
لكن بريطانيا تريد تمديد هذا الموعد، بعدما تأكد أن الوقت لن يكون كافيا لاحتواء انقسامات الحكومة. وترفض الحكومة البريطانية إعلان حسن النوايا، وبدلا من ذلك تضغط لإصدار “إعلان سياسي” مفصل يحدد أبعاد العلاقات المستقبلية، بحيث تكون له قوة القانون.
وانعكس عدم اليقين المتحكم في الطبقة السياسية البريطانية على الشعب أيضا. فرغم الضغط الذي يمارسه عشرات الآلاف من البريطانيين الذين يتظاهرون من وقت لآخر مطالبين باستفتاء آخر على البنود النهائية للاتفاق، لا يزال المجتمع البريطاني يشهد انقساما حادا.
ويتخوف سياسيون من أن يؤدي إجراء استفتاء آخر إلى شعور الناخبين الذين صوتوا لصالح الخروج بـ”الخيانة”، والنزول إلى الشوارع للدفاع عن مصالحهم ورؤيتهم لبريكست. وقد يقود هذا السيناريو إلى مواجهات غير محسوبة العواقب.
وتقول مصادر بريطانية إن البريطانيين يشعرون بأن تحديد الملامح النهائية للاتفاق سيؤثر على مستقبلهم لأجيال قادمة. وإذا ما فشلت تيريزا ماي في “الإبحار بالسفينة إلى بر الأمان”، فلن يشهد المجتمع البريطاني استقرارا لعشرات السنين المقبلة.