انتقادات لتوجّه السلطات البلجيكية نحو فتح بعض الشركات ، مقابل استمرار إغلاق أماكن عامة”

مع استمرار تفشي وباء كورونا وتعاظم خسائره البشرية والاقتصادية والمالية، بات السؤال المطروح في كل دول العالم: أيهما أولى، المحافظة على الصحة العامة للمواطن من المخاطر، أم إعادة تشغيل الاقتصاد ودوران “تروس” المصانع والعجلة الإنتاجية؟

أيهما يسبق الآخر، المحافظة على صحة العمال والموظفين، وهم ثروة بشرية لأي مجتمع، أم وقف الخسائر التي باتت تقدر بتريليونات الدولارات وتهدد اقتصاديات دول كبرى بما فيها أكبر اقتصادين في العالم، الأمريكي والصيني ويسبقهما بالطبع الاقتصاد الأوروبي؟

هذا المشهد، الذي بدا مستقراً في الأيام الأخيرة، غيّرت معالمه كلمة رئيسة الحكومة البلجيكية صوفي ويلميس ، مع إعلانها فتح عدة محلات و خروج المواطنين وإعادة فتح تدريجي لمؤسسات تعليمية مثل المدارس وروضات الأطفال، الأمر الذي أحدث جلبة كبيرة في الداخل البلجيكي .

فالكل يتساءل ما الهدف وراء إعادة فتح مؤسسات تعليمية مقابل استمرار إغلاق الأماكن العامة، مثل المطاعم وصالات السينما وأماكن الترفيه والحفلات. وهو ما لمّح إليه البعض على أنه خطة أو اتفاق لإعادة الموظفين إلى المؤسسات من خلال إيجاد من يتكفل برعاية أطفالهم، وبذلك تعود عجلة الإنتاج إلى الدوران لتدارك الخسائر الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد.
موقع “أخبارنا الجالية ” ذهب إلى حد وصف إجراء إعادة فتح المدارس وبعض المؤسسات بأنه “فقدان للوعي” لأنه يعرّض الموظفين الذين يعيشون بالفعل ظروف عمل صعبة للغاية بالإضافة إلى أبنائهم الطلبة وعائلاتهم للخطر، وذلك نظراً لعدم وضوح إجراءات الحماية التي يمكن أن تتّبعها الحكومة في حال نجحت بالفعل في فرض هذا القرار على الموظفين.

فأنظار  معظم بلدان العالم مصوبة نحو الشرق الأقصى لاستخلاص الدروس من تجربة في القضاء على فيروس كورونا المستجد، وإن على تلك الدول أن تنظر أيضا إلى الشمال حيث السويد ذات التجربة الرائدة في التعاطي مع الوباء الفتاك.

خلافا لبقية دول أوروبا التي فرضت تدابير إغلاق صارمة، لم تتخذ إجراءات مشددة، إذ ظلت المدارس والمطاعم وغيرها من المرافق مفتوحة. واكتفت بمنع التجمعات التي تضم أكثر من خمسين شخصا، ومنع زيارات دور الرعاية إضافة لقيود قانونية أخرى قليلة.

وتساءلت أخبارنا الجالية  عن الدروس التي يمكن لبقية دول العالم أن تستقيها من تجربة السويد ، في وقت تبحث فيه جميع الحكومات عن سبل لتخفيف تدابير الإغلاق بعد أن باتت فداحة التكلفة التي ألحقت بالاقتصاد جلية.

ووفقا للمعلومات فإن الغالبية العظمى من السويديين تمتثل لتعليمات السلطات الرسمية بشأن التباعد الاجتماعي دون الحاجة إلى مطاردة في المتنزهات من قبل طائرات مسيرة تابعة للشرطة، كما انخفض استخدام وسائل النقل العام بشكل كبير وتحول العديد من المواطنين إلى نظام العمل من المنزل.

وقد أشادت منظمة الصحة العالمية بنجاح السويد في تطبيق التباعد الاجتماعي، وأرجعت قدرتها على تجنب تدابير الإغلاق الصارم إلى ثقة الجمهور العالية في الحكومة.

ونشير بالذكر  إلى أن معدل الوفيات جراء الإصابة بفيروس كورونا بالسويد أعلى من معدل الوفيات بدول الجوار القريبة منها مثل فنلندا والدانمارك، التي فرضت إجراءات صارمة للحد من تفشي الوباء.

و حسب تقديرات بعض العلماء السويديين يشيرون  إلى أن أكثر من ربع سكان ستوكهولم قد كونوا بالفعل أجساما مضادة للفيروس، وإذا اتضح أن السويد في طريقها نحو تحقيق مناعة القطيع، فستكون تجربتها قد تكللت بالنجاح.

وحول إمكانية تطبيق استراتيجية “مناعة القطيع” في بلجيكا ، قالت “بوشعيب البازي “، إن هذا النهج المثير للجدل، الذي تخلت عنه المملكة المتحدة مؤخرا، ويقوم على حصول غالبية السكان (60 في المئة إلى 80 في المئة) على مناعة أو مقاومة للفيروس من خلال الإصابة بالعدوى ثم التعافي منها، يصعب تطبيقه في بلجيكا  وقد يأتي بتبعات خطيرة، وسيؤدي إلى زيادة حالات الاستشفاء التي ستطغى على قدرة النظام الصحي وتتسبب في نهاية المطاف بأعداد أكبر من الضحايا.

ومن الأسباب التي تحول دون إمكانية حدوث “مناعة القطيع” في بلجيكا ، أن الخبراء حتى هذه اللحظة لا يعرفون الكثير عن المناعة من مرض كوفيد 19، ومدة هذه المناعة، وماهية المناعة الذاتية التي سيتم تكوينها.

ومع ارتفاع معدلات الأمراض وعوامل الخطر بين الشباب في بلجيكا ، فإن السماح للفيروس بالانتشار من أجل استراتيجية تجريبية لتكوين “مناعة القطيع” يمكن أن يؤدي إلى دخول مئات الآلاف من الأشخاص إلى المستشفيات والعناية المركزة.

وعلاوة على ذلك، فإن السعي إلى الحصول على تكوين مناعة القطيع بين السكان الأصغر سنا لا يزال يتطلب حماية كبار السن ، وهو ما يثير مسألة كيفية عزل الأكبر سنا الذين يعيش العديد منهم في منازل أفرادها متفاوتون في السن، لا سيما في بروكسيل .

كما أن الاعتماد فقط على استراتيجية حصانة القطيع يمكن أن يؤدي إلى تبعات خطيرة، خاصة لدى الشباب اليافعين بسبب عدم إدراكهم لمخاطر تفشي الوباء، وعدم امتثالهم لتدابير الإبعاد الاجتماعي، وسيفضي ذلك إلى النظر لاستراتيجية “حصانة القطيع” على أنها طريق سهل للخروج من إجراءات الإغلاق الحالي، وبالتالي ربما تقلص من مدى استجابة الحكومة في المناطق الأخرى.

ما الحل؟

يقول  “بوشعيب البازي “، إن ما تحتاجه بلجيكا  هو اتباع نهج استراتيجي ومركزي وطويل الأمد، حيث يتعين على الحكومة  تنفيذ استراتيجية إجراء اختبارات دقيقة تنتقل من نهج مستهدف يركز على الأفراد المعرضين لمخاطر عالية إلى اختبار مجتمعي جماعي.

وتشمل الفحوصات الأفراد ممن كانوا على اتصال بالمصابين والمرضى الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي بالإضافة إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يعانون من أعراض المرض.

وبينما تبدو استراتيجية “مناعة القطيع” جذابة وسهلة لمواجهة الفيروس، إلا أنها ليست أكثر من مغامرة يمكن أن تؤدي إلى وفاة الملايين من سكان بلجيكا ، وإذا كانت الحكومة تريد إنقاذ الأرواح وسبل العيش، فسوف يتعين عليها أن تخرج من الإغلاق من خلال توسيع قدرتها على الاختبار والتعقب والعلاج.

وتستند استراتيجية “مناعة القطيع” ببساطة إلى ممارسة الحياة بشكل طبيعي، بحيث يصاب معظم أفراد المجتمع بالفيروس، وبالتالي تتعرف أجهزتهم المناعية على الفيروس، ومن ثم تحاربه إذا ما حاول مهاجمتها مجددا.

لكن المختصين يحذرون من هذه الاستراتيجية في ظل إغراق المستشفيات بالمرضى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com