الصحراء المغربية بين الواقعية السياسية وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية: هل بدأ العدّ العكسي لتسوية النزاع؟
بوشعيب البازي
في توقيت دولي بالغ الحساسية، جاءت الإحاطة نصف السنوية التي قدّمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، ستيفان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن، لتكشف تحولا لافتا في مقاربة الأمم المتحدة لأحد أكثر النزاعات استعصاءً في شمال أفريقيا. فبعيدا عن اللغة الدبلوماسية التقليدية، حملت الإحاطة رسائل مباشرة إلى مختلف الأطراف، وأبرزت أن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية، لا إدارة الأزمة.
ما صدر عن دي ميستورا لا يمكن قراءته كمجرد تقييم دوري لمسار المفاوضات، بل كمؤشر على انتقال المجتمع الدولي من منطق “تجميد النزاع” إلى البحث الجدي عن تسوية نهائية، في ضوء متغيرات جيوسياسية متسارعة تشهدها المنطقة الممتدة من المغرب العربي إلى الساحل الأفريقي.
من نزاع مزمن إلى ملف قابل للحسم
لأكثر من أربعة عقود، ظل نزاع الصحراء المغربية رهينة تجاذبات إقليمية وحسابات الحرب الباردة القديمة، قبل أن تفرض التحولات الدولية مقاربة جديدة تقوم على الحلول الواقعية والقابلة للتنفيذ. وفي هذا السياق، أشار دي ميستورا بوضوح إلى وجود “فرصة حقيقية” وزخم غير مسبوق لكسر الجمود، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية عميقة.
فالحديث عن الزخم يعني أن البيئة الدولية لم تعد تتسامح مع النزاعات المفتوحة التي تعرقل التنمية وتغذي الهشاشة الأمنية، خاصة في منطقة تعرف تمددا للجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية. ومن ثم، فإن تسوية ملف الصحراء لم تعد مسألة ثنائية أو إقليمية فحسب، بل أصبحت جزءا من معادلة الأمن الأورومتوسطي والأفريقي.
الحكم الذاتي: من مبادرة مغربية إلى مرجعية دولية
أبرز ما ميّز الإحاطة الأممية هو الإقرار المتزايد داخل مجلس الأمن بأن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تمثل الخيار الأكثر جدية وواقعية وقابلية للتطبيق. وهذا التحول ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم دبلوماسي مغربي استند إلى وضوح الرؤية، والاستثمار التنموي في الأقاليم الجنوبية، وتوسيع دائرة الدعم الدولي.
لقد نجحت الرباط في تحويل المقترح من مجرد مبادرة وطنية إلى أرضية تفاوضية تحظى بإسناد متزايد من قوى دولية مؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى دول أوروبية وازنة. كما أن المواقف الأخيرة الصادرة عن دول محايدة تقليديا، ومنها سويسرا، تعكس اتجاها دوليا نحو تبني مقاربة براغماتية تضع الاستقرار فوق الاعتبارات الإيديولوجية القديمة.
رسائل دي ميستورا إلى البوليساريو: نهاية سياسة الانتظار
الدعوة التي وجهها المبعوث الأممي إلى جبهة البوليساريو من أجل تقديم “تنازلات تاريخية” تحمل في جوهرها رسالة واضحة: لم يعد مقبولا الاستمرار في الرهان على الزمن أو إعادة إنتاج مواقف متجاوزة. فالمجتمع الدولي بات يعتبر أن أي حل لا يستند إلى الواقعية السياسية سيظل مجرد شعار غير قابل للتحقق.
كما أن حديث دي ميستورا عن مخاوف تتعلق بالدور المستقبلي لقيادة الجبهة وضمانات أمن أعضائها يكشف أن المفاوضات دخلت مرحلة التفاصيل، أي مرحلة البحث في ترتيبات ما بعد الاتفاق، وليس فقط مناقشة المبادئ العامة. وهذه نقطة مفصلية تؤكد أن الملف يتحرك فعليا نحو منطق التسوية.
الجزائر وموريتانيا: الفاعلان الضروريان في المعادلة
إشراك الجزائر وموريتانيا في جولات التفاوض المباشرة الأخيرة يعكس اعترافا أمميا بأن الحل لا يمكن أن يتم بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالجزائر، بحكم احتضانها ودعمها السياسي والعسكري للبوليساريو لعقود، تبقى طرفا أساسيا في المعادلة، مهما حاولت التموقع كـ“ملاحظ”. أما موريتانيا، فهي معنية مباشرة باستقرار المنطقة وبانعكاسات أي تسوية على أمنها وحدودها ومصالحها الاقتصادية.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح المسار السياسي يتطلب انتقال الفاعلين الإقليميين من منطق التنافس الجيوسياسي إلى منطق الربح المشترك، حيث يمكن لتسوية النزاع أن تفتح الباب أمام تكامل اقتصادي مغاربي ظل معطلا لعقود.
الأقاليم الجنوبية: ورقة المغرب الأقوى
في المقابل، لم يعد المغرب يعتمد فقط على الحجة القانونية أو الدبلوماسية، بل بنى خلال السنوات الأخيرة واقعا تنمويا جديدا في مدن الصحراء المغربية، من خلال مشاريع البنية التحتية، والموانئ، والطاقة المتجددة، وربط المنطقة بعمقها الأفريقي.
هذا المعطى منح الرباط تفوقا استراتيجيا، لأن المجتمع الدولي يميل عادة إلى دعم الحلول التي تقترن بالاستقرار والقدرة المؤسساتية والتنموية. ومن هنا، تبدو مبادرة الحكم الذاتي امتدادا سياسيا لمسار تنموي قائم، لا مجرد تصور نظري.
نحو أكتوبر حاسم؟
إعلان دي ميستورا رغبته في جمع الأطراف مجددا قبل أكتوبر المقبل، والسعي إلى التوصل إلى “اتفاق إطاري”، يوحي بأن الأمم المتحدة تسابق الزمن للاستفادة من الظرفية الدولية الحالية. وإذا ما تحقق ذلك، فسيكون الملف أمام أهم اختراق منذ سنوات طويلة.
غير أن الطريق ما زال محفوفا بالتحديات، أبرزها أزمة الثقة، وحسابات الداخل لدى بعض الأطراف، ووجود قوى تستفيد من استمرار الوضع القائم. ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية تفيد بأن هامش المناورة يضيق أمام دعاة الجمود.
ما يجري اليوم في ملف الصحراء المغربية ليس مجرد استئناف لمفاوضات متعثرة، بل إعادة صياغة شاملة لقواعد اللعبة السياسية. لقد انتقل النزاع من مرحلة الغموض إلى مرحلة الخيارات المحددة، ومن خطاب الشعارات إلى منطق الحلول الممكنة.
وفي عالم يتغير بسرعة، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت التسوية ستأتي، بل متى وكيف ستُصاغ. وإذا استمر الزخم الحالي، فقد يكون أكتوبر المقبل بداية نهاية أحد أقدم النزاعات في القارة الأفريقية، وانطلاقة جديدة لمنطقة ظلت رهينة الماضي أكثر مما تستحقه من مستقبل.