حين تتحول الجرافة إلى سياسة عمومية: هدم الأحياء بين منطق الربح وغياب العدالة المجالية في المغرب

بوشعيب البازي

في الدول التي تبني مستقبلها على التوازن بين التنمية والكرامة الإنسانية، تُنجز مشاريع التهيئة الحضرية ضمن تعاقد واضح مع المواطنين، يقوم على التعويض المنصف، والإيواء المسبق، والمشاركة المجتمعية. أما حين تتحول المدينة إلى ورش مفتوح بلا ضوابط اجتماعية، فإن الجرافة لا تهدم الجدران فقط، بل تهدم الثقة في المؤسسات، وتعيد إنتاج الهشاشة داخل المجال الحضري.

هذا ما تكشفه موجة الهدم والإفراغ التي طالت أحياء عديدة في الدار البيضاء والرباط ومدن أخرى خلال الأشهر الأخيرة، في سياق مشاريع تهيئة كبرى مرتبطة بتسريع الاستعدادات لتظاهرات رياضية دولية، وفي مقدمتها كأس إفريقيا وكأس العالم 2030. فبين خطاب “المدينة الذكية” وواقع الأسر المطرودة من منازلها، تتسع فجوة سياسية وأخلاقية تستحق نقاشاً وطنياً صريحاً.

الدار البيضاء: العاصمة الاقتصادية التي تضيق بسكانها

في الدار البيضاء، المدينة الأكثر كثافة سكانية والأعلى تكلفة في السكن، وثّقت تقارير إعلامية محلية شهادات مؤلمة لسكان المدينة القديمة وأحياء أخرى بعد مباشَرة عمليات هدم وإفراغ مرتبطة بمشروع “المحج الملكي”. سكان تحدثوا عن إشعارات قصيرة، وقطع الماء والكهرباء، وغياب حلول سكنية واضحة، واضطرار عائلات إلى التشتت بين بيوت الأقارب أو البحث عن كراء يفوق إمكانياتها. إحدى الشهادات لخّصت المأساة بعبارة بسيطة: “تفرقنا وتفرقت ذكرياتنا”.  

وفي تقرير آخر، أثيرت تساؤلات سياسية حول “غموض دواعي الهدم”، ومصير المتضررين من هدم الأسواق والمباني، في ظل مطالب بكشف الأساس القانوني لهذه الإجراءات، وضمان التعويضات، وحماية الأسر الهشة من التشرد.  

الدار البيضاء التي تعاني أصلاً من ضغط عقاري مهول، وارتفاع مهول في أسعار الكراء، لا تحتمل قرارات تدفع مئات الأسر دفعة واحدة إلى السوق السكنية من دون بدائل. فالنتيجة المباشرة هي رفع الأسعار، توسيع المضاربة، وتعميق أزمة الولوج إلى السكن.

الرباط ومدن أخرى: التحديث من فوق

المشهد لا يقتصر على البيضاء. في الرباط ومدن أخرى، تتكرر المقاربة نفسها: مشاريع تجميل حضري، فتح محاور، إعادة تشكيل واجهات المدن، لكن بمنهجية يغلب عليها القرار العمودي، حيث تُتخذ القرارات فوقياً، بينما يُترك السكان لمواجهة النتائج وحدهم.

من منظور جيوستراتيجي، تسعى الدول الصاعدة إلى تقديم صورة حضارية جذابة أمام العالم، خصوصاً قبل المواعيد الرياضية الكبرى. غير أن الصورة الحقيقية لا تُقاس بجمالية الأرصفة ولا بواجهات الملاعب، بل بمدى احترام حقوق السكان الأصليين للمدينة. فالمدن لا تُدار فقط بالإسمنت، بل بالعقد الاجتماعي.

في كل موجة هدم واسعة، لا تقتصر النتائج على إزالة المباني أو إعادة تشكيل المجال العمراني، بل ينشأ معها اقتصاد موازٍ يستفيد من حالة الارتباك والفوضى التي ترافق هذه العمليات. فشركات الأشغال والبناء تجد فرصاً متزايدة في صفقات الهدم وإعادة التهيئة، بينما يستغل المضاربون العقاريون انخفاض قيمة بعض العقارات مؤقتاً لاقتناصها ثم إعادة تسويقها بأرباح مضاعفة. كما تنتعش شبكات السمسرة والكراء بفعل الطلب المستعجل على السكن، ويستفيد آخرون من إعادة توزيع العقار في المناطق المركزية ذات القيمة المرتفعة.

في المقابل، يكون الخاسرون معروفين سلفاً، وهم الفئات الأقل قدرة على الدفاع عن مصالحها. الأسر محدودة الدخل تجد نفسها أمام تكاليف كراء مرتفعة لا تتناسب مع مواردها، فيما يفقد التجار الصغار زبائنهم ومصادر رزقهم بعد تفكيك النسيج الاجتماعي للأحياء. أما الحرفيون فيخسرون فضاءات عملهم التقليدية، ويجد كبار السن أنفسهم منقطعين عن محيط اجتماعي ارتبطوا به لعقود. كذلك تتعرض الطبقة الوسطى لضغط اقتصادي إضافي قد يدفع أجزاءً منها نحو الهشاشة. وهكذا يتحول ما يسمى “التأهيل الحضري” من أداة يفترض أن تخدم التنمية إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة من الفئات الدنيا نحو المستفيدين الأقوى اقتصادياً.

إن الهدم قبل الإيواء يكشف خللاً عميقاً في فلسفة الدولة الاجتماعية. ففي النماذج الحديثة للتدبير الحضري، تبدأ العملية بإحصاء السكان وتحديد المستحقين بدقة، ثم توفير بدائل سكنية مؤقتة أو دائمة، وصرف تعويضات واضحة، مع تحديد آجال التنفيذ بشفافية تضمن احترام الحقوق. هذه المراحل ليست تفاصيل إدارية، بل جوهر أي سياسة حضرية عادلة.

أما حين يُهدم السكن قبل توفير البديل، فإن كلفة المشروع تُنقل عملياً إلى المواطن. فالدولة أو الجماعة تكسب عامل الزمن وتسرّع الإنجاز، بينما يتحمل المواطن عبء البحث عن مأوى، ومصاريف الكراء، وفقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي، واستنزاف مدخراته المحدودة. وهذا يتناقض بوضوح مع الخطاب الرسمي المرتبط بالدولة الاجتماعية، والحق في السكن اللائق، وتقليص الفوارق المجالية.

إذا استمرت هذه المقاربة، فإن المدن المغربية الكبرى ستكون أمام تحولات مقلقة. أول هذه التحولات يتمثل في طرد الطبقات الشعبية من المراكز الحضرية، بما يحول القلوب التاريخية للمدن إلى فضاءات استهلاكية أو استثمارية خالية من سكانها الأصليين. وثانيها انفجار هوامش المدن، حيث تنتقل الأسر المتضررة إلى ضواحٍ تفتقر إلى النقل والخدمات وفرص الشغل. أما التحول الثالث فيكمن في تآكل الثقة في المؤسسات، حين يشعر المواطن أن القانون لا يظهر إلا لحظة الإفراغ والهدم، بينما يغيب عند المطالبة بالحقوق والتعويضات.

المغرب مقبل على استحقاقات دولية كبرى، وهذا يفرض تحديث البنية الحضرية وتحسين صورة المدن. غير أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بتجميل الواجهات فقط، بل بحماية السكان وضمان حقوقهم. المطلوب اليوم ليس وقف المشاريع، بل تغيير منهجيتها، عبر ربط أي هدم بقرار معلل ومكتوب، وأي إفراغ بتعويض مسبق، وأي ترحيل ببديل لائق، وأي مشروع حضري بإشراك فعلي للسكان المتضررين. فالتنمية التي تنتج التشرد ليست تنمية، بل مجرد نقل للأزمة من شارع إلى آخر.

فالمدينة ليست مجرد عقار أو خرائط هندسية، بل هي ذاكرة جماعية وعلاقات اجتماعية وشعور بالانتماء. وعندما تُهدم البيوت بسرعة الجرافة، بينما تتأخر الحلول بسرعة البيروقراطية، يصبح السؤال مشروعاً: هل نبني مدناً للمواطنين أم نبني مدناً لإبهار الكاميرات؟ لقد علمنا التاريخ أن المدن التي تُقصي سكانها الأصليين قد تبدو جميلة من الخارج، لكنها من الداخل أكثر هشاشة مما يتصور كثيرون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com