في السياسة، هناك دائماً لحظة دقيقة يتحول فيها الخطاب من “الرمزي” إلى “الغرائبي”، ومن محاولة التأثير إلى نوع من “الاستعراض السردي” الذي لا يُقنع بقدر ما يُثير الدهشة. ويبدو أن عبد الإله بنكيران قرر، في خرجاته الأخيرة، أن يختبر هذه المنطقة الرمادية… بل أن يستقر فيها قليلاً.
التصريح الذي نُسب إليه، حول جدٍّ مفترض كان “منافساً” لـ أبو بكر الصديق على الخلافة بعد وفاة النبي محمد، لا يمكن قراءته بمنطق التاريخ، ولا حتى بمنطق المجاز السياسي التقليدي. نحن هنا أمام سردية تتجاوز حدود “الاستعارة” لتلامس ما يمكن تسميته بـ”الخيال السياسي الحر”، حيث تختلط الذاكرة الجماعية بالتخييل الشخصي في قالب يصعب على المتلقي تفكيكه دون أن يبتسم… أو يقلق.
المفارقة أن هذا النوع من الخطاب لا يأتي في سياق ثقافي أو فكري، بل في سياق تدبير الشأن العام، حيث يُفترض أن تكون الكلمات محسوبة، وأن تكون الرمزية خادمة للفكرة، لا بديلاً عنها. لكن في حالة بنكيران، يبدو أن “الحكاية” أصبحت أحياناً أهم من “المحتوى”، وأن الإثارة تغلب على الإقناع.
وإذا كان بعض أنصاره يرون في هذه الخرجات دليلاً على “العفوية” أو “القرب من الشعب”، فإن القراءة الأكثر صرامة تطرح سؤالاً مختلفاً: هل نحن أمام أسلوب تواصلي واعٍ يقوم على الصدمة الرمزية لجذب الانتباه؟ أم أمام انزلاق تدريجي نحو خطاب يفقد تماسكه كلما حاول أن يكون أكثر إثارة؟
المقارنة التي يلوّح بها البعض، بين هذا النوع من التصريحات وبعض الخطابات الشعبوية في المنطقة، ليست بريئة تماماً. ففي فضاءات سياسية متوترة، غالباً ما يُستدعى التاريخ والدين بشكل انتقائي، ليس لفهم الحاضر، بل لإعادة تشكيله وفق سرديات تخدم لحظة معينة. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحول الرمز الديني إلى مادة للمزايدة، وحين يصبح التاريخ مجالاً للمبالغة بدل أن يكون مرجعاً للاتزان.
بنكيران، الذي بنى جزءاً كبيراً من شعبيته على خطاب بسيط ومباشر، يجد نفسه اليوم أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على حضوره في مشهد سياسي متغير، دون أن يسقط في فخ “التصريح الذي يسبق الفكرة”؟ لأن الرأي العام، مهما كان متسامحاً مع الطرافة، يظل حريصاً على حد أدنى من المعقول.
في النهاية، ليست المشكلة في النكتة، ولا في الطرافة، بل في اللحظة التي تتحول فيها السياسة إلى منصة للحكايات غير القابلة للتصديق. هناك، لا يعود السؤال: “هل هذا صحيح؟” بل يصبح: “لماذا يُقال أصلاً؟” — وهو سؤال، في حد ذاته، أكثر إزعاجاً من أي تصريح.